كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّامَغَانِيُّ حَاجِبًا لِلْأَمِيرِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى هٰذِهِ الْقِصَّةَ الْغَرِيبَةَ.
كَانَ الْحَاجِبُ يَوْمًا عِنْدَ بَابِ قَصْرِ الْأَمِيرِ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَصِيحُ بِصَوْتٍ عَالٍ: «نَصِيحَةٌ، نَصِيحَةٌ!»
فَدَعَاهُ وَسَأَلَهُ عَنْ نَصِيحَتِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: «لَا أَذْكُرُهَا إِلَّا لِلْأَمِيرِ نَفْسِهِ.»
فَدَخَلَ الْحَاجِبُ عَلَى الْأَمِيرِ وَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ، فَقَالَ الْأَمِيرُ: «أَحْضِرْهُ إِلَيَّ.»
وَقَفَ الرَّجُلُ أَمَامَ الْأَمِيرِ وَقَالَ: «أَنَا صَيَّادٌ أَصِيدُ السَّمَكَ فِي نَاحِيَةِ الْمَدَائِنِ.»
«عَلِقَتْ شَبَكَتِي يَوْمًا فِي أَسْفَلِ ضِفَّةِ النَّهْرِ، فَحَاوَلْتُ أَنْ أُخَلِّصَهَا فَلَمْ أَسْتَطِعْ.»
«فَنَزَلْتُ وَغُصْتُ فِي الْمَاءِ، فَوَجَدْتُهَا مُعَلَّقَةً بِحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ فِي قَاعِ النَّهْرِ.»
«فَحَفَرْتُ حَوْلَ الْحَلْقَةِ، فَإِذَا قُمْقُمٌ، وَهُوَ إِنَاءٌ مِنْ نُحَاسٍ، مَمْلُوءٌ بِالْمَالِ.»
«فَأَعَدْتُهُ إِلَى مَكَانِهِ كَمَا كَانَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى هُنَا لِأُخْبِرَ الْأَمِيرَ بِهِ.»
فَذَهَبَ الْحَاجِبُ مَعَ الصَّيَّادِ فِي الْحَالِ إِلَى الْمَدَائِنِ الْقَدِيمَةِ.
وَصَلَا إِلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ، فَوَجَدَا الْقُمْقُمَ فِي مَكَانِهِ وَأَخْرَجَاهُ مِنَ الْأَرْضِ.
ثُمَّ أَمَرَ الْحَاجِبُ الصَّيَّادَ أَنْ يَحْفِرَ أَكْثَرَ، فَوَجَدَا سَبْعَةَ قَمَاقِمَ أُخْرَى مَمْلُوءَةً بِالْمَالِ.
فَحَمَلَا الْمَالَ كُلَّهُ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَفَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا.
وَأَمَرَ الْأَمِيرُ أَنْ يُعْطَى الصَّيَّادُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مُكَافَأَةً لَهُ.
لٰكِنَّ الصَّيَّادَ رَفَضَ الْمَالَ وَقَالَ: «الَّذِي أُرِيدُهُ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ هٰذَا.»
فَسَأَلَهُ الْأَمِيرُ مُتَعَجِّبًا: «وَمَا الَّذِي تُرِيدُهُ إِذَنْ؟»
قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ صَيْدَ السَّمَكِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ لِي وَحْدِي، وَتَمْنَعَ مِنْهُ كُلَّ أَحَدٍ غَيْرِي.»
فَضَحِكَ الْأَمِيرُ وَتَعَجَّبَ مِنْ جَهْلِهِ وَحُمْقِهِ، ثُمَّ أَعْطَاهُ مَا طَلَبَ.