فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ مِنَ الصِّينِ، رَكِبَ ابْنُ بَطُّوطَةَ جُنْكًا مِنْ مَدِينَةِ الزَّيْتُونِ.
وَالْجُنْكُ سَفِينَةٌ صِينِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، وَكَانَ هَذَا الْجُنْكُ لِلْمَلِكِ الظَّاهِرِ سُلْطَانِ الْجَاوَةِ.
فِي الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ الْأُولَى كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَكَانَتِ السَّفِينَةُ تَسِيرُ نَحْوَ الْهِنْدِ.
ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الرِّيحُ وَأَظْلَمَتِ السَّمَاءُ، وَبَقُوا عَشَرَةَ أَيَّامٍ تَحْتَ الْمَطَرِ لَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ.
ثُمَّ دَخَلُوا بَحْرًا لَا يَعْرِفُونَهُ، فَخَافَ أَهْلُ السَّفِينَةِ وَأَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى الصِّينِ.
لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا، وَبَقُوا اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَعْرِفُونَ فِي أَيِّ بَحْرٍ هُمْ.
وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالْأَرْبَعِينَ، بَعْدَ الْفَجْرِ، ظَهَرَ لَهُمْ جَبَلٌ فِي الْبَحْرِ.
كَانَ الْجَبَلُ عَلَى بُعْدِ عِشْرِينَ مِيلًا تَقْرِيبًا، وَالرِّيحُ تَحْمِلُهُمْ نَحْوَهُ.
فَتَعَجَّبَ الْبَحَّارَةُ وَقَالُوا: «نَحْنُ بَعِيدُونَ عَنِ الْبَرِّ، وَلَا يُوجَدُ جَبَلٌ فِي هَذَا الْبَحْرِ!»
وَقَالُوا أَيْضًا: «إِنْ دَفَعَتْنَا الرِّيحُ إِلَيْهِ هَلَكْنَا.»
فَدَعَا النَّاسُ اللَّهَ، وَنَذَرَ التُّجَّارُ صَدَقَاتٍ كَثِيرَةً، وَكَتَبَهَا ابْنُ بَطُّوطَةَ لَهُمْ بِخَطِّهِ.
وَهَدَأَتِ الرِّيحُ قَلِيلًا، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَأَوُا الْجَبَلَ قَدِ ارْتَفَعَ فِي الْهَوَاءِ!
وَظَهَرَ الضَّوْءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَحْرِ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا.
ثُمَّ رَأَى ابْنُ بَطُّوطَةَ الْبَحَّارَةَ يَبْكُونَ وَيُوَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسَأَلَهُمْ: «مَا شَأْنُكُمْ؟»
فَقَالُوا: «هَذَا الَّذِي ظَنَنَّاهُ جَبَلًا هُوَ الرُّخُّ، وَإِنْ رَآنَا أَهْلَكَنَا.»
وَالرُّخُّ طَائِرٌ ضَخْمٌ جِدًّا تَتَحَدَّثُ عَنْهُ حِكَايَاتُ الْبَحَّارَةِ.
وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، ثُمَّ هَبَّتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ أَبْعَدَتْهُمْ عَنْهُ.
فَلَمْ يَرَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْرِفُوا شَكْلَهُ الْحَقِيقِيَّ، وَبَعْدَ شَهْرَيْنِ وَصَلُوا إِلَى الْجَاوَةِ.