زَعَمُوا أَنَّ شَجَرَةً كَبِيرَةً كَانَ فِي أَصْلِهَا جُحْرُ سِنَّوْرٍ، أَيْ قِطٍّ، اسْمُهُ رُومِيٌّ.
وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ جُحْرُ جُرَذٍ اسْمُهُ فَرِيدُونُ، وَكَانَ الصَّيَّادُونَ يَأْتُونَ ذٰلِكَ الْمَكَانَ كَثِيرًا.
فَنَصَبَ صَيَّادٌ يَوْمًا شَبَكَتَهُ قُرْبَ جُحْرِ رُومِيٍّ، فَوَقَعَ فِيهَا الْقِطُّ.
وَخَرَجَ الْجُرَذُ يَطْلُبُ طَعَامًا، فَرَأَى الْقِطَّ فِي الشَّبَكَةِ وَفَرِحَ بِذٰلِكَ.
ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى خَلْفَهُ ابْنَ عِرْسٍ يُرِيدُهُ، وَرَأَى فِي الشَّجَرَةِ بُومَةً تُرِيدُ خَطْفَهُ.
فَتَحَيَّرَ الْجُرَذُ، لِأَنَّ الْأَعْدَاءَ أَحَاطَتْ بِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسِهِ: «مَعِي عَقْلِي، وَلَا نَجَاةَ لِي إِلَّا بِالصُّلْحِ مَعَ الْقِطِّ.»
فَاقْتَرَبَ مِنْهُ وَقَالَ: «نَحْنُ الْيَوْمَ شَرِيكَانِ فِي الْبَلَاءِ، فَإِنْ أَمَّنْتَنِي قَطَعْتُ حِبَالَكَ وَخَلَّصْتُكَ.»
فَعَرَفَ الْقِطُّ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَوَافَقَ وَوَعَدَهُ أَنْ يَشْكُرَهُ طُولَ حَيَاتِهِ.
فَلَمَّا رَأَى ابْنُ عِرْسٍ وَالْبُومَةُ الْجُرَذَ قَرِيبًا مِنَ الْقِطِّ، يَئِسَا مِنْهُ وَذَهَبَا.
وَأَخَذَ الْجُرَذُ يَقْطَعُ الْحِبَالَ بِبُطْءٍ، وَتَرَكَ حَبْلًا وَاحِدًا لِيَحْمِيَ نَفْسَهُ مِنَ الْقِطِّ.
فَشَكَا الْقِطُّ مِنْ بُطْئِهِ، فَقَالَ الْجُرَذُ: «سَأَقْطَعُ هٰذَا الْحَبْلَ حِينَ يَأْتِي الصَّيَّادُ، لِأَنَّكَ سَتَكُونُ مَشْغُولًا عَنِّي.»
فَلَمَّا ظَهَرَ الصَّيَّادُ، قَطَعَ الْجُرَذُ الْحَبْلَ الْأَخِيرَ بِسُرْعَةٍ.
فَقَفَزَ الْقِطُّ إِلَى الشَّجَرَةِ، وَدَخَلَ الْجُرَذُ جُحْرًا، وَرَجَعَ الصَّيَّادُ خَائِبًا بِشَبَكَةٍ مُقَطَّعَةٍ.
وَبَعْدَ ذٰلِكَ نَادَى الْقِطُّ الْجُرَذَ، وَدَعَاهُ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْهُ لِيُكَافِئَهُ عَلَى مَعْرُوفِهِ.
فَقَالَ الْجُرَذُ: «كَانَ بَيْنَنَا صُلْحٌ لِحَاجَةٍ، وَقَدْ ذَهَبَتِ الْحَاجَةُ، وَأَخَافُ أَنْ تَعُودَ الْعَدَاوَةُ.»
«فَالْمَاءُ الَّذِي يُسَخَّنُ بِالنَّارِ يَعُودُ بَارِدًا إِذَا رُفِعَ عَنْهَا.»
«وَأَنَا أُحِبُّكَ مِنْ بَعِيدٍ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ نَجْتَمِعَ.»