سَافَرَ ابْنُ بَطُّوطَةَ إِلَى مَدِينَةِ سِيرَافَ، وَفِيهَا قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ يَغُوصُونَ عَلَى الْجَوْهَرِ.
وَالْجَوْهَرُ هُنَا هُوَ اللُّؤْلُؤُ الَّذِي يُوجَدُ فِي الصَّدَفِ فِي قَاعِ الْبَحْرِ.
وَمَكَانُ الْغَوْصِ بَيْنَ سِيرَافَ وَالْبَحْرَيْنِ، فِي مَاءٍ هَادِئٍ يُشْبِهُ وَادِيًا عَظِيمًا.
فِي شَهْرَيْ أَبْرِيلَ وَمَايُو تَأْتِي قَوَارِبُ كَثِيرَةٌ فِيهَا الْغَوَّاصُونَ وَتُجَّارٌ مِنْ فَارِسَ وَالْبَحْرَيْنِ.
قَبْلَ أَنْ يَغُوصَ الْغَوَّاصُ يَضَعُ عَلَى وَجْهِهِ غِطَاءً مِنْ عَظْمِ السُّلَحْفَاةِ.
وَيَصْنَعُ مِنْ هَذَا الْعَظْمِ أَيْضًا شَيْئًا يُشْبِهُ الْمِقَصَّ، وَيَشُدُّهُ عَلَى أَنْفِهِ.
ثُمَّ يَرْبِطُ حَبْلًا فِي وَسَطِهِ، وَيَنْزِلُ إِلَى الْمَاءِ.
وَالْغَوَّاصُونَ لَا يَصْبِرُونَ تَحْتَ الْمَاءِ بِقَدْرٍ وَاحِدٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْقَى سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ.
وَفِي قَاعِ الْبَحْرِ يَجِدُ الْغَوَّاصُ الصَّدَفَ بَيْنَ الْحِجَارَةِ الصَّغِيرَةِ، ثَابِتًا فِي الرَّمْلِ.
فَيَقْتَلِعُهُ بِيَدِهِ أَوْ يَقْطَعُهُ بِحَدِيدَةٍ، وَيَضَعُهُ فِي كِيسٍ مِنْ جِلْدٍ مُعَلَّقٍ بِعُنُقِهِ.
فَإِذَا ضَاقَ نَفَسُهُ حَرَّكَ الْحَبْلَ، فَيَشْعُرُ بِذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي يُمْسِكُهُ عَلَى السَّاحِلِ.
فَيَرْفَعُهُ الرَّجُلُ إِلَى الْقَارِبِ، فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ الْكِيسَ وَيَفْتَحُونَ الصَّدَفَ.
وَفِي دَاخِلِ الصَّدَفِ قِطَعٌ مِنَ اللَّحْمِ، يَقْطَعُونَهَا بِحَدِيدَةٍ.
وَيَقُولُ ابْنُ بَطُّوطَةَ إِنَّ هَذِهِ الْقِطَعَ إِذَا لَمَسَتِ الْهَوَاءَ جَمَدَتْ وَصَارَتْ جَوَاهِرَ.
ثُمَّ يَجْمَعُونَ الْجَوَاهِرَ كُلَّهَا، صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا.
فَيَأْخُذُ السُّلْطَانُ خُمُسَهَا، وَيَشْتَرِي الْبَاقِيَ التُّجَّارُ الَّذِينَ جَاءُوا فِي الْقَوَارِبِ.
وَلِأَكْثَرِ هَؤُلَاءِ التُّجَّارِ دُيُونٌ عَلَى الْغَوَّاصِينَ، فَيَأْخُذُونَ الْجَوَاهِرَ بَدَلًا مِنْ دُيُونِهِمْ.