زَعَمُوا أَنَّ قِرْدًا اسْمُهُ مَاهِرٌ كَانَ مَلِكَ الْقِرَدَةِ، فَلَمَّا كَبِرَ غَلَبَهُ قِرْدٌ شَابٌّ وَأَخَذَ مَكَانَهُ.
فَهَرَبَ مَاهِرٌ إِلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَسَكَنَ فِي شَجَرَةِ تِينٍ هُنَاكَ.
وَفِي يَوْمٍ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ تِينَةٌ فِي الْمَاءِ، فَأَعْجَبَهُ صَوْتُهَا، فَصَارَ يَرْمِي التِّينَ فِي الْمَاءِ.
وَكَانَ فِي الْمَاءِ غَيْلَمٌ، وَهُوَ ذَكَرُ السُّلَحْفَاةِ، يَأْكُلُ كُلَّ تِينَةٍ تَسْقُطُ.
فَظَنَّ الْغَيْلَمُ أَنَّ الْقِرْدَ يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْ أَجْلِهِ، فَصَارَا صَدِيقَيْنِ.
وَطَالَ غِيَابُ الْغَيْلَمِ عَنْ بَيْتِهِ، فَحَزِنَتْ زَوْجَتُهُ، وَشَكَتْ ذٰلِكَ إِلَى جَارَةٍ لَهَا.
فَقَالَتِ الْجَارَةُ: «زَوْجُكِ عِنْدَ صَدِيقِهِ الْقِرْدِ، وَلَنْ يَعُودَ إِلَيْكِ إِلَّا إِذَا هَلَكَ الْقِرْدُ.»
«فَإِذَا رَجَعَ فَتَظَاهَرِي بِالْمَرَضِ، وَقُولِي إِنَّ الْأَطِبَّاءَ وَصَفُوا لَكِ قَلْبَ قِرْدٍ.»
فَلَمَّا رَجَعَ الْغَيْلَمُ قِيلَ لَهُ إِنَّ زَوْجَتَهُ مَرِيضَةٌ، وَإِنَّ دَوَاءَهَا قَلْبُ قِرْدٍ.
فَقَرَّرَ أَنْ يَحْتَالَ عَلَى صَدِيقِهِ، فَدَعَاهُ إِلَى زِيَارَةِ بَيْتِهِ فِي جَزِيرَةٍ كَثِيرَةِ الْفَاكِهَةِ.
فَرَكِبَ الْقِرْدُ ظَهْرَهُ، وَفِي الطَّرِيقِ تَوَقَّفَ الْغَيْلَمُ حَزِينًا، فَشَكَّ الْقِرْدُ فِي أَمْرِهِ.
فَسَأَلَهُ الْقِرْدُ عَنْ هَمِّهِ، فَقَالَ: «لَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ إِنَّهُ لَا دَوَاءَ لِزَوْجَتِي إِلَّا قَلْبُ قِرْدٍ.»
فَخَافَ الْقِرْدُ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: «أَوْقَعَنِي الطَّمَعُ فِي وَرْطَةٍ، وَأَنَا الْآنَ أَحْتَاجُ إِلَى عَقْلِي.»
ثُمَّ قَالَ لِلْغَيْلَمِ: «لَيْتَكَ أَخْبَرْتَنِي قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ، فَنَحْنُ الْقِرَدَةَ نَتْرُكُ قُلُوبَنَا فِي بُيُوتِنَا حِينَ نَزُورُ أَصْدِقَاءَنَا.»
«قَلْبِي الْآنَ فِي الشَّجَرَةِ، فَارْجِعْ بِي إِلَيْهَا حَتَّى آتِيَكَ بِهِ.»
فَفَرِحَ الْغَيْلَمُ وَرَجَعَ بِهِ، فَقَفَزَ الْقِرْدُ إِلَى الشَّجَرَةِ وَلَمْ يَنْزِلْ.
فَلَمَّا نَادَاهُ الْغَيْلَمُ، قَالَ لَهُ: «خَدَعْتَنِي فَخَدَعْتُكَ بِمِثْلِ خَدِيعَتِكَ، وَلَنْ أَنْزِلَ إِلَيْكَ أَبَدًا.»
وَهَكَذَا ظَفِرَ الْغَيْلَمُ بِمَا طَلَبَ، ثُمَّ أَضَاعَهُ مِنْ يَدِهِ.