كَانَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ فِي الْعِرَاقِ، وَكَانَ مِنْ أَشْهَرِ النَّاسِ بِالْكَرَمِ وَالْجُودِ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ جَاءَ إِلَيْهِ شَاعِرٌ لَهُ حَاجَةٌ يُرِيدُ أَنْ يَطْلُبَهَا مِنْهُ.
فَبَقِيَ الشَّاعِرُ عِنْدَ بَابِ الْأَمِيرِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ لِأَحَدِ الْخَدَمِ: «إِذَا دَخَلَ الْأَمِيرُ الْبُسْتَانَ، فَأَخْبِرْنِي بِذٰلِكَ.»
وَلَمَّا دَخَلَ مَعْنٌ الْبُسْتَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَسْرَعَ الْخَادِمُ إِلَى الشَّاعِرِ وَأَخْبَرَهُ.
فَنَقَشَ الشَّاعِرُ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ عَلَى قِطْعَةٍ مِنَ الْخَشَبِ.
ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْمَاءِ الَّذِي يَجْرِي فِي قَنَاةٍ إِلَى الْبُسْتَانِ.
وَكَانَ مَعْنٌ جَالِسًا عِنْدَ الْقَنَاةِ، فَرَأَى الْخَشَبَةَ فِي الْمَاءِ، فَأَخَذَهَا وَقَرَأَ مَا عَلَيْهَا.
فَإِذَا عَلَيْهَا هٰذَا الْبَيْتُ: «أَيَا جُودَ مَعْنٍ نَاجِ مَعْنًا بِحَاجَتِي، فَلَيْسَ إِلَى مَعْنٍ سِوَاكَ شَفِيعُ.»
فَالشَّاعِرُ يُخَاطِبُ كَرَمَ مَعْنٍ، وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُكَلِّمَ مَعْنًا فِي حَاجَتِهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَسِيطٌ غَيْرُهُ.
فَسَأَلَ مَعْنٌ عَنْ صَاحِبِ الْخَشَبَةِ، فَجَاؤُوا بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: «كَيْفَ قُلْتَ؟»
فَأَنْشَدَهُ الشَّاعِرُ الْبَيْتَ، فَأَمَرَ لَهُ مَعْنٌ بِعَشَرَةِ أَكْيَاسٍ مِنَ الْمَالِ، فَأَخَذَهَا وَانْصَرَفَ.
وَوَضَعَ مَعْنٌ الْخَشَبَةَ تَحْتَ بِسَاطِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَخْرَجَهَا وَنَظَرَ فِيهَا.
ثُمَّ طَلَبَ الشَّاعِرَ مَرَّةً أُخْرَى، فَأَنْشَدَهُ الْبَيْتَ، فَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ أَكْيَاسٍ أُخْرَى.
وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَعَلَ مَعْنٌ الشَّيْءَ نَفْسَهُ، وَأَعْطَى الشَّاعِرَ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ مِنْ قَبْلُ.
فَفَكَّرَ الشَّاعِرُ فِي نَفْسِهِ، وَخَافَ أَنْ يَأْخُذَ الْأَمِيرُ مِنْهُ مَا أَعْطَاهُ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ بِمَالِهِ.
وَفِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ طَلَبَهُ مَعْنٌ كَعَادَتِهِ، فَبَحَثُوا عَنْهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ.
فَقَالَ: «لَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِي، وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي خِزَانَتِي دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ!»