قُرْبَ جَزِيرَةٍ مِنْ جُزُرِ الْهِنْدِ كَانَتْ جَزِيرَةٌ كَبِيرَةٌ يَحْكُمُهَا مَلِكٌ شَدِيدُ الْغَيْرَةِ.
وَكَانَتْ لِلْمَلِكِ أُخْتٌ جَمِيلَةٌ، فَمَنَعَهَا مِنَ الزَّوَاجِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهَا زَوْجًا مُنَاسِبًا.
فَتَزَوَّجَهَا سِرًّا قَرِيبٌ لَهُ اسْمُهُ يَقْظَانُ، ثُمَّ وَلَدَتْ مِنْهُ طِفْلًا.
خَافَتِ الْأُمُّ أَنْ يَنْكَشِفَ سِرُّهَا، فَأَرْضَعَتِ الطِّفْلَ وَوَضَعَتْهُ فِي صُنْدُوقٍ مُحْكَمٍ.
ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ لَيْلًا إِلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَوَدَّعَتْهُ بِقَلْبٍ حَزِينٍ، وَأَلْقَتْهُ فِي الْمَاءِ.
فَحَمَلَ الْمَدُّ الصُّنْدُوقَ إِلَى الْجَزِيرَةِ الْأُخْرَى، وَأَدْخَلَهُ إِلَى غَابَةٍ كَثِيفَةِ الشَّجَرِ.
وَلَمَّا جَاعَ الطِّفْلُ بَكَى، فَسَمِعَتْ صَوْتَهُ ظَبْيَةٌ كَانَ عُقَابٌ قَدْ خَطَفَ وَلَدَهَا.
فَظَنَّتْهُ وَلَدَهَا، وَحَفَرَتْ عِنْدَ الصُّنْدُوقِ حَتَّى سَقَطَ مِنْهُ لَوْحٌ، فَحَنَّتْ عَلَيْهِ وَأَرْضَعَتْهُ.
وَبَقِيَتْ تُرَبِّيهِ وَتَحْمِيهِ، فَكَبِرَ حَيُّ بْنُ يَقْظَانَ مَعَ الظِّبَاءِ، وَصَارَ يُقَلِّدُ أَصْوَاتَهَا وَأَصْوَاتَ الطُّيُورِ.
ثُمَّ لَاحَظَ أَنَّ لِلْحَيَوَانَاتِ شَعْرًا وَرِيشًا وَقُرُونًا، وَأَنَّهُ هُوَ عَارٍ ضَعِيفٌ بِلَا سِلَاحٍ.
فَلَمَّا قَارَبَ السَّابِعَةَ صَنَعَ لِنَفْسِهِ لِبَاسًا مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَعِصِيًّا يُدَافِعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ.
ثُمَّ وَجَدَ نَسْرًا مَيِّتًا، فَلَبِسَ جِلْدَهُ وَجَنَاحَيْهِ وَذَيْلَهُ، فَصَارَتِ الْحَيَوَانَاتُ تَهَابُهُ.
وَلَمَّا كَبِرَتِ الظَّبْيَةُ وَضَعُفَتْ، كَانَ يُطْعِمُهَا الثِّمَارَ الْحُلْوَةَ حَتَّى مَاتَتْ.
فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَنَادَاهَا بِالصَّوْتِ الَّذِي كَانَتْ تُجِيبُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ، فَلَمْ تَتَحَرَّكْ.
فَظَنَّ أَنَّ فِي جِسْمِهَا عُضْوًا مَرِيضًا، فَفَتَحَ صَدْرَهَا بِحَجَرٍ حَادٍّ لِيَبْحَثَ عَنْهُ.
فَوَجَدَ فِي قَلْبِهَا مَكَانًا فَارِغًا، فَفَهِمَ أَنَّ شَيْئًا كَانَ يَسْكُنُهُ ثُمَّ رَحَلَ عَنْهُ.
وَعَرَفَ أَنَّ أُمَّهُ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي رَحَلَ، لَا هَذَا الْجَسَدُ.
ثُمَّ رَأَى غُرَابًا يَقْتُلُ غُرَابًا آخَرَ ثُمَّ يَدْفِنُهُ، فَحَفَرَ حُفْرَةً وَدَفَنَ فِيهَا أُمَّهُ.