كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ النَّاسُ يَخَافُونَهُ خَوْفًا شَدِيدًا.
وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا لِلنُّزْهَةِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَرِجَالِهِ.
فَلَمَّا انْتَهَتِ النُّزْهَةُ، صَرَفَ أَصْحَابَهُ عَنْهُ، وَبَقِيَ يَمْشِي وَحْدَهُ فِي الطَّرِيقِ.
فَلَقِيَ شَيْخًا مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي عِجْلٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ الشَّيْخُ مَنْ هُوَ هٰذَا الرَّجُلُ.
فَسَأَلَهُ الْحَجَّاجُ: «مِنْ أَيْنَ أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ؟»
فَقَالَ الشَّيْخُ: «أَنَا مِنْ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ الَّتِي تَرَاهَا أَمَامَكَ.»
فَسَأَلَهُ الْحَجَّاجُ عَنْ رَأْيِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي الْعُمَّالِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَهُمْ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: «هُمْ شَرُّ الْعُمَّالِ، يَظْلِمُونَ النَّاسَ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ.»
فَقَالَ الْحَجَّاجُ: «فَمَا رَأْيُكَ فِي الْحَجَّاجِ، أَمِيرِ الْعِرَاقِ؟»
فَقَالَ الشَّيْخُ: «ذَاكَ رَجُلٌ مَا حَكَمَ الْعِرَاقَ أَحَدٌ شَرٌّ مِنْهُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَنْ وَلَّاهُ!»
فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: «أَتَعْرِفُ مَنْ أَنَا؟» فَقَالَ الشَّيْخُ: «لَا.»
فَكَشَفَ لَهُ الْحَجَّاجُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ: «أَنَا الْحَجَّاجُ!»
فَلَمْ يَسْكُتِ الشَّيْخُ، بَلْ قَالَ لَهُ فِي الْحَالِ: «جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَهَلْ تَعْرِفُ أَنْتَ مَنْ أَنَا؟»
فَقَالَ الْحَجَّاجُ إِنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: «أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، مَجْنُونُ بَنِي عِجْلٍ.»
ثُمَّ قَالَ: «أُصْرَعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، فَيَذْهَبُ عَقْلِي، وَلَا أَدْرِي مَا أَقُولُ!»
فَضَحِكَ الْحَجَّاجُ مِنْ جَوَابِ الشَّيْخِ ضَحِكًا كَثِيرًا، وَأَمَرَ لَهُ بِعَطِيَّةٍ مِنَ الْمَالِ.