كَانَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ، وَمَعْرُوفًا أَيْضًا بِالْبُخْلِ الشَّدِيدِ.
وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا يُنْفِقُ إِلَّا الْقَلِيلَ.
لٰكِنَّهُ كَانَ صَبَاحَ كُلِّ جُمُعَةٍ يَحْمِلُ مِنْدِيلًا فِيهِ رَغِيفَانِ، وَقِطَعُ لَحْمٍ بَارِدٍ، وَجُبْنٌ، وَزَيْتُونٌ، وَأَرْبَعُ بَيْضَاتٍ.
ثُمَّ يَذْهَبُ وَحْدَهُ إِلَى بُسْتَانٍ، وَيَبْسُطُ مِنْدِيلَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ بِجَانِبِ مَاءٍ جَارٍ، وَيَأْكُلُ.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، مَرَّ بِهِ رَجُلٌ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ.
فَرَدَّ الشَّيْخُ السَّلَامَ، ثُمَّ دَعَاهُ قَائِلًا: «هَلُمَّ»، أَيْ تَعَالَ وَكُلْ مَعِي.
فَرَجَعَ الرَّجُلُ نَحْوَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَقْفِزَ فَوْقَ الْجَدْوَلِ لِيَصِلَ إِلَيْهِ.
فَصَاحَ الشَّيْخُ: «مَكَانَكَ، لَا تَعْجَلْ»، ثُمَّ سَأَلَهُ عَمَّا يُرِيدُ.
قَالَ الرَّجُلُ: «أُرِيدُ أَنْ أَتَغَدَّى مَعَكَ.»
فَقَالَ الشَّيْخُ: «وَكَيْفَ طَمِعْتَ فِي طَعَامِي، وَمَنْ أَبَاحَ لَكَ مَالِي؟»
قَالَ الرَّجُلُ مُتَعَجِّبًا: «أَلَمْ تَدْعُنِي أَنْتَ إِلَى الطَّعَامِ؟»
قَالَ الشَّيْخُ: «لَوْ عَرَفْتُ أَنَّكَ أَحْمَقُ إِلَى هٰذَا الْحَدِّ، مَا رَدَدْتُ عَلَيْكَ السَّلَامَ.»
«إِذَا كُنْتُ جَالِسًا وَأَنْتَ مَارٌّ، فَالصَّوَابُ أَنْ تُسَلِّمَ أَنْتَ، فَأَرُدَّ أَنَا: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ.»
«وَإِذَا كُنْتُ آكُلُ، قُلْتُ أَنَا: هَلُمَّ، وَقُلْتَ أَنْتَ: هَنِيئًا، فَيَكُونُ كَلَامٌ بِكَلَامٍ.»
«أَمَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامٌ بِأَكْلٍ، وَقَوْلٌ بِفِعْلٍ، فَهٰذَا لَيْسَ مِنَ الْإِنْصَافِ.»
فَوَقَفَ الرَّجُلُ حَائِرًا، فَقَدْ سَمِعَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ.
وَاشْتَهَرَ الشَّيْخُ بِهٰذِهِ الْقِصَّةِ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: «لَقَدْ أَعْفَيْنَاكَ مِنَ السَّلَامِ وَمِنْ رَدِّهِ.»
فَقَالَ: «لَا حَاجَةَ بِي إِلَى ذٰلِكَ، يَكْفِينِي أَنْ أُعْفِيَ نَفْسِي مِنْ كَلِمَةِ هَلُمَّ.»