يَحْكِي عِيسَى بْنُ هِشَامٍ أَنَّهُ كَانَ فِي بَغْدَادَ، فَاشْتَهَى الْأَزَاذَ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّمْرِ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ، فَخَرَجَ يَبْحَثُ عَنْ فُرْصَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى حَيِّ الْكَرْخِ.
وَهُنَاكَ رَأَى رَجُلًا مِنَ الرِّيفِ يَسُوقُ حِمَارَهُ بِصُعُوبَةٍ، وَقَدْ رَبَطَ نُقُودَهُ فِي طَرَفِ إِزَارِهِ.
فَقَالَ عِيسَى فِي نَفْسِهِ: «وَجَدْنَا صَيْدًا!» ثُمَّ صَاحَ: «أَهْلًا يَا أَبَا زَيْدٍ! مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟»
فَقَالَ الرَّجُلُ: «لَسْتُ أَبَا زَيْدٍ، أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ.»
فَقَالَ عِيسَى: «نَعَمْ، نَسِيتُ اسْمَكَ لِطُولِ الْغِيَابِ، فَكَيْفَ حَالُ أَبِيكَ؟»
فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّ أَبَاهُ قَدْ مَاتَ، وَإِنَّ الْعُشْبَ نَبَتَ عَلَى قَبْرِهِ.
فَأَظْهَرَ عِيسَى حُزْنًا شَدِيدًا وَأَرَادَ أَنْ يُمَزِّقَ ثَوْبَهُ، فَأَمْسَكَهُ الرَّجُلُ وَرَجَاهُ أَلَّا يَفْعَلَ.
فَدَعَاهُ عِيسَى إِلَى السُّوقِ لِيَأْكُلَا شِوَاءً، فَطَمِعَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْفَخِّ.
فَذَهَبَا إِلَى شَوَّاءٍ، فَطَلَبَ عِيسَى لِأَبِي زَيْدٍ شِوَاءً وَخُبْزًا رَقِيقًا، وَأَكَلَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنْ بَائِعِ الْحَلْوَى رِطْلَيْنِ مِنَ اللَّوْزِينَجِ، وَهُوَ حَلْوَى بِاللَّوْزِ، فَأَكَلَاهُمَا أَيْضًا.
ثُمَّ قَالَ عِيسَى: «اجْلِسْ يَا أَبَا زَيْدٍ حَتَّى نَأْتِيَكَ بِسَقَّاءٍ يَحْمِلُ مَاءً بَارِدًا.»
ثُمَّ خَرَجَ وَجَلَسَ فِي مَكَانٍ يَرَى مِنْهُ الرَّجُلَ وَلَا يَرَاهُ الرَّجُلُ.
فَلَمَّا تَأَخَّرَ عِيسَى، قَامَ الرَّجُلُ إِلَى حِمَارِهِ، فَأَمْسَكَهُ الشَّوَّاءُ وَقَالَ: «أَيْنَ ثَمَنُ مَا أَكَلْتَ؟»
فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَكَلْتُهُ ضَيْفًا!» فَضَرَبَهُ الشَّوَّاءُ وَقَالَ: «وَمَتَى دَعَوْنَاكَ؟ ادْفَعْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا!»
فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَبْكِي، وَيَفُكُّ بِأَسْنَانِهِ الْعُقَدَ الَّتِي رَبَطَ فِيهَا نُقُودَهُ.
وَكَانَ يَقُولُ: «كَمْ قُلْتُ لِذَلِكَ الْقِرْدِ الصَّغِيرِ: أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنْتَ أَبُو زَيْدٍ!»
ثُمَّ أَنْشَدَ عِيسَى شِعْرًا مَعْنَاهُ: اسْتَعْمِلْ كُلَّ وَسِيلَةٍ لِرِزْقِكَ، وَلَا تَقْعُدْ عَاجِزًا.