زَعَمُوا أَنَّ حَمَامَةً كَانَتْ تَبِيضُ فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا.
وَكَانَتْ تَتْعَبُ كَثِيرًا فِي بِنَاءِ عُشِّهَا هُنَاكَ، لِأَنَّ النَّخْلَةَ عَالِيَةٌ.
وَكُلَّمَا كَبِرَتْ فِرَاخُهَا جَاءَ ثَعْلَبٌ، وَوَقَفَ تَحْتَ النَّخْلَةِ يَصِيحُ بِهَا وَيُهَدِّدُهَا.
وَكَانَ يَقُولُ إِنَّهُ سَيَصْعَدُ إِلَيْهَا، فَكَانَتْ تَخَافُ وَتُلْقِي إِلَيْهِ فِرَاخَهَا.
وَفِي يَوْمٍ جَاءَ مَالِكٌ الْحَزِينُ، وَهُوَ طَائِرٌ مِنْ طُيُورِ الْمَاءِ، فَوَقَفَ عَلَى النَّخْلَةِ.
فَرَأَى الْحَمَامَةَ حَزِينَةً، فَسَأَلَهَا عَنْ حَالِهَا، فَأَخْبَرَتْهُ بِأَمْرِ الثَّعْلَبِ.
فَقَالَ لَهَا: «إِذَا جَاءَكِ فَقُولِي لَهُ: لَنْ أُلْقِيَ إِلَيْكَ فِرَاخِي، فَاصْعَدْ إِلَيَّ وَخَاطِرْ بِنَفْسِكَ.»
«وَقُولِي لَهُ أَيْضًا: إِنْ صَعِدْتَ وَأَكَلْتَ فِرَاخِي، طِرْتُ عَنْكَ وَنَجَوْتُ.»
ثُمَّ طَارَ مَالِكٌ الْحَزِينُ، وَوَقَفَ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ.
وَجَاءَ الثَّعْلَبُ فِي وَقْتِهِ، وَصَاحَ كَعَادَتِهِ، فَأَجَابَتْهُ الْحَمَامَةُ بِمَا تَعَلَّمَتْ.
فَسَأَلَهَا الثَّعْلَبُ عَمَّنْ عَلَّمَهَا هٰذَا، فَقَالَتْ: «عَلَّمَنِي مَالِكٌ الْحَزِينُ.»
فَذَهَبَ الثَّعْلَبُ إِلَيْهِ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَسَأَلَهُ: «إِذَا جَاءَتْكَ الرِّيحُ عَنْ يَمِينِكَ، فَأَيْنَ تَجْعَلُ رَأْسَكَ؟»
قَالَ: «عَنْ شِمَالِي»، فَسَأَلَهُ عَنِ الرِّيحِ مِنَ الشِّمَالِ، فَقَالَ: «أَجْعَلُهُ عَنْ يَمِينِي.»
فَقَالَ الثَّعْلَبُ: «فَإِذَا جَاءَتْكَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَأَيْنَ تَجْعَلُهُ؟»
قَالَ: «أَجْعَلُهُ تَحْتَ جَنَاحِي»، فَقَالَ الثَّعْلَبُ: «مَا أَظُنُّكَ تَسْتَطِيعُ ذٰلِكَ.»
ثُمَّ مَدَحَهُ وَقَالَ: «أَنْتُمْ مَعْشَرَ الطَّيْرِ تَعْرِفُونَ فِي سَاعَةٍ مَا نَعْرِفُهُ فِي سَنَةٍ، فَأَرِنِي كَيْفَ تَصْنَعُ.»
فَأَدْخَلَ مَالِكٌ الْحَزِينُ رَأْسَهُ تَحْتَ جَنَاحِهِ، فَقَفَزَ عَلَيْهِ الثَّعْلَبُ وَكَسَرَ عُنُقَهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهُ: «يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ، تُعَلِّمُ الْحَمَامَةَ الْحِيلَةَ، وَتَعْجِزُ عَنْهَا لِنَفْسِكَ.»