يَقُولُ ابْنُ بَطُّوطَةَ إِنَّ أَهْلَ الصِّينِ أَمْهَرُ الْأُمَمِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَأَشَدُّهُمْ إِتْقَانًا لَهَا.
وَأَمَّا التَّصْوِيرُ فَلَا يُسَاوِيهِمْ فِيهِ أَحَدٌ، لَا مِنَ الرُّومِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَالتَّصْوِيرُ هُنَا هُوَ رَسْمُ صُوَرِ النَّاسِ بِالْيَدِ عَلَى الْوَرَقِ وَالْحِيطَانِ.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا رَآهُ أَنَّهُ كُلَّمَا دَخَلَ مَدِينَةً مِنْ مُدُنِهِمْ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا، وَجَدَ صُورَتَهُ هُنَاكَ.
وَكَانَتْ صُوَرُ أَصْحَابِهِ أَيْضًا مَرْسُومَةً عَلَى الْحِيطَانِ وَعَلَى الْوَرَقِ فِي الْأَسْوَاقِ.
وَذَاتَ يَوْمٍ دَخَلَ مَدِينَةَ السُّلْطَانِ، فَمَرَّ بِسُوقِ الرَّسَّامِينَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى الْقَصْرِ.
وَكَانَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ ثِيَابَ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْقَصْرِ فِي الْمَسَاءِ، مَرُّوا بِتِلْكَ السُّوقِ مَرَّةً أُخْرَى.
فَرَأَى صُورَتَهُ وَصُوَرَ أَصْحَابِهِ مَرْسُومَةً عَلَى وَرَقٍ مُلْصَقٍ بِالْحَائِطِ!
فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْظُرُ إِلَى صُورَةِ صَاحِبِهِ، فَإِذَا هِيَ تُشْبِهُهُ تَمَامًا.
ثُمَّ عَرَفَ أَنَّ السُّلْطَانَ أَمَرَ الرَّسَّامِينَ بِذَلِكَ.
فَقَدْ جَاءَ الرَّسَّامُونَ إِلَى الْقَصْرِ، وَرَسَمُوا الضُّيُوفَ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ الضُّيُوفُ بِشَيْءٍ.
وَهَذِهِ عَادَةُ أَهْلِ الصِّينِ: يَرْسُمُونَ كُلَّ غَرِيبٍ يَمُرُّ بِهِمْ.
فَإِذَا فَعَلَ الْغَرِيبُ مَا يَجْعَلُهُ يَهْرُبُ مِنْهُمْ، أَرْسَلُوا صُورَتَهُ إِلَى كُلِّ الْبِلَادِ.
ثُمَّ يَبْحَثُونَ عَنْهُ، فَحَيْثُمَا وَجَدُوا رَجُلًا يُشْبِهُ تِلْكَ الصُّورَةَ أَخَذُوهُ.