فورد علي من ذلك ما أقلقني، ولم أعلم غرضه، ولا أنه يستدعيني إلى الطعام، ويشير علي بالدخول معه في ذلك الأمر، وتأخير الكتابة إلى غد، وأنا مقيم على شكوى الخمار، وتعذر الأكل علي.
إلى أن فرغت من الكتب، وقد توسط أكله، وجئت بها مقدراً أنه يأذن لي في الانصراف.
فقال: قد تبقى من مدة أكلنا، ما تبلغ به وطرك من الطعام، فاستخر الله وساعدنا.
فأقمت على الامتناع.
فاستدعى عملاً ثانياً، وأخرج منه عدة كتب أخر، وقال لي: إذا كنت غير داخل معنا في أمرنا، فأجب عن هذه أيضاً.
فورد علي أعظم من الأول، وانفردت للإجابة، إلى أن فرغت منها، مع فراغه من الأكل. وجئت بالكتب فعرضتها عليه، وأنا لا أشك في الانصراف.
فقال لي : لست أشك في تصرم خمارك، فاستدع ما تأكله، والحق بنا.
فأقمت على الامتناع.
فاستدعى عملاً ثالثاًً، ليشغلني بشيء، وتبسم.
فقلت له ما هذه الحاجة الداعية إلى اتصال العمل علي في هذا اليوم.
فقال: قد قرأت رقعتك إلى أخيك، من ظهرها.
فعرفت من حيث أتيت، فضحك وضحكت.
وأمر بإحضار مائتي دينار، وعشرين دناً من الشراب العتيق، وسلم ذلك إلى غلامي، ثم أمر بإحضار صندوق صغير له، فيه طبب، فقدم إلى حضرته، ومنديل دبيقي، وجعل فيه من الصندوق، من الند كفاً، ومن العود المقلي كفاً، وكذلك من الكافور والمسك، مثل ذلك، واستدعى قدحاً، فجعل فيه أوراق غالية، ووضعه في المنديل، وختمه بخاتمه.
وقال: إمض فأنفق هذه الدنانير، وشرب الشراب، وتبخر بهذا البخور.
فأخذت جميع ذلك، وانصرفت.
أنت تحركت على الصفراء
ليس الصفراء تحركت عليك وحدثني أبو محمد أيضاً، قال حدثني أبو أحمد أيضاً قال: كانت هذه الجارية صفراء، تسمى بهجة.
فشربت معها ليلة، وأصبحت مخموراً، فآثرت الجلوس معها، على لقاء الوزير أبي علي، وكان يعرف خبري معها.
فأردت الاعتذار إليه من التأخر عن الخدمة، وأخفي خبري عليه، فكتبت إليه رقعة أعتذر فيها، وأقول: إن الصفراء تحركت علي، فتأخرت.
فوقع على ظهرها بخطه: أنت تحركت على الصفراء، ليس الصفراء تحركت عليك.
قلت: وهذا التوقيع يشبه ما أنشدنا أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم، لنفسه، في جارية صفراء، وقد شكا إلى الطبيب مرة الصفراء، ولا أدري أيهما أخذ من صاحبه:
قال الطبيب وقد تأمل سحنتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء
فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... قولاً وظاهر ما أراد خطاء
بغل لا يصلح للبيع
رأى رجل في حمام، رجلاً وافر المتاع: فقال له عابثاً: تبيع هذا البغل؟ قال: لا، ولكني أحملك عليه.
القاضي أبو الحسن الهاشمي
يغسل الخليفة الراضي
وحدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي رحمه الله، قال: لما مات الراضي رضي الله عنه، أنفذ إلي فاستدعيت لغسله، فحضرت، ودخلت إلى الموضع الذي هو فيهمن دار الخلافة، فإذا به مسجى، على وجهه إزار مروي غليظ.
فقلت: لا إله إلا الله، مثل هذا يطرح على وجه الخليفة؟ فقال لي بعض الخدم: إنه لما مات، أخذ كل إنسان، ما هو مثبت عليه، فرده إلى الخزانة، حتى طرحت أنا عليه إزاري هذا.
قال: فطلبنا مرجلاً أو مسينة لنغلي فيها ماء حاراً، فما وجدنا، حتى جاءوا بها بعد مدة من حجرة بعض الخدم.
فغسلته، وكفنته بأكفان جميلة من داري، وصليت أنا والخدم عليه، وحمل إلى داره بالرصافة فدفن فيها.
الخليفة الواثق، يهمل بعد موته
فيأكل الحرذون عينيه
حدثني الحسين بن الحسن بن أحمد بن يحيى الواثقي، قرابة أبي، قال: حدثني أبي، قال حدثني أبي أحمد، قال: كنت أخدم الواثق، وأخدم تخته، في علته التي مات فيها.
فكنت قائماً بين يدي الواثق، في علته، أنا وجماعة من الأولياء، والمالي، والخدم، إذ لحقته غشية، فما شككنا أنه قد مات.
فقال بعضنا لبعض: تقدموا فاعرفوا خبره، فما جسر منهم أحد يتقدم.
فتقدمت أنا، فلما صرت عند رأسه، وأردت أن أضع يدي على رأسه وأعتبر نفسه، لحقته إفاقة، ففتح عينيه، فكدت أن أموت فزعاً من أن يراني قد مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي. فتراجعت إلى خلف، فتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس، وعثرت به، فانكببت عليه، فاندق سيفي، وكاد أن يدخل في لحمي، ويجرحني.