و انتبه الرجل يريد الخروج، فقال للجارية، افتحي الأقفال من الباب، و دعيه متربساً ، ففعلت، و قربت ن الحمار، فرفس، فصاحت.
فخرجت أنا، ففتحت المترس ، و خرجت أعدو، حتى جئت إلى المشرعة، فنزلت في الخيطية.
و وقعت الصيحة في دار الرجل.
فطالبني أصحابي أن أعطيهم شيئاً منها، فقلت: لا، هذه قصة عظيمة و أخاف أن يتنبه عليها، و لكن دعوها عندي، فإن مضى على الحدث ثلاثة أشهر ، و انكتم، فصيروا إليّ، أعطيكم النصف، و إن ظهر، خفت عليكم و على نفسي، و جعلته حقناً لدمائكم، فرضوا بذلك.
فأرسل الله هذا البواب، بلية، فخدمني، فاستحييت منه، و خفت أن يقتل، هو و أصحابه، و قد كنت وضعت في نفسي الصبر على كل عذاب، فدخلتم علي من طريق أخرى، لم أستحسن في الفتوة، معها، إلا الصدق. فقال له الأمير: جزاء هذا الفعل، أن أطلقك، و لكن تتوب.
فتاب، و جعله الأمير من بعض أصحابه، و أسنى له الرزق، فاستقامت طريقته.
ابن الخياطة يتسلل إلى الصيرفي من بين حراسه
قال أبو الحسين ، و حدثني أبي، عن طالوت بن عباد الصيرفي، قال: كنت ليلة نائماً بالبصرة، في فراشي، و أحراسي يحرسونني، و أبوابي مقفلة، فإذا أنا بابن الخياطة ينبهني من فراشي، فانتبهت فزعاً.
فقلت: من أنت؟ فقال: ابن الخياطة، فتلفت.
فقال: لا تجزع، قد قمرت الساعة خمسمائة دينار، أقرضني إياها، لأردها عليك.
فأخرجت خمسمائة دينار، فدفعتها إليه.
فقال: نم، و لا تتبعني، لأخرج من حيث جئت، و إلا قتلتك.
قال: و أنا و الله أسمع صوت حراسي، و لا أدري من أين دخل، و من أين خرج.
و كتمت الحديث، خوفاً منه، و زدت في الحرس.
و مضت ليال فإذا أنا به قد أنبهني، على تلك الصورة، فقلت: مرحباً، ما تريد؟ قال: جئت بتلك الدنانير، تأخذها مني.
قلت: أنت في حل منها، و إن أردت شيئاً آخر فخذ.
فقال: لا أريد، من نصح التجار شاركهم في أموالهم، و لو كنت أردت مالك باللصوصية، فعلت، و لكنك رئيس بلدك، و لا أريد أذيتك، فإذ ذلك يخرج عن الفتوة ، و لكن خذها، و إن احتجت إلى شيء بعد هذا، أخذت منك.
فقلت: إن عودك يفزعني، و لكن، إذا أردت شيئاً، فتعال إليّ نهاراً، أو رسولك.
فقال: أفعل.
فأخذت الدنانير منه، و انصرف، و كان رسوله يجيئني بعلامة، بعد ذلك، فيأخذ ما يريده.
فما انكسر لي عنده شيء، إلى أن قبض عليه.
البلاء موكل بالمنطق
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، و علي بن علي البصري ، قالا: أنشدنا أحمد بن منصور الوراق ، قال: أنشدنا نصر الخبز أرزي ، لنفسه:
لسان الفتى حتف الفتى حين يجهل ... و كل امرئ ما بين فكيه مقتل
إذا ما لسان المرء أكثر هذره ... فذاك لسان بالبلاء موكل
و كم فاتح أبواب شر لنفسه ... إذا لم يكن قفل على فيه مقفل
كذا من رمى يوماً شرارات لفظه ... تلقته نيران الجوابات تشعل
و من لم يقيد لفظه متجملاً ... سيطلق فيه كل ما ليس يجمل
و من لم يكن فيه ماء صيانة ... فمن وجهه غصن المهابة يذبل
فلا تحسبن الفضل في الحلم وحده ... بل الجهل في بعض الأحايين أفضل
و من ينتصر ممن بغى فهو ما بغى ... و شر المسيئين الذي هو أول
و قد أوجب الله القصاص بعدله ... و لله حكم في العقوبات منزل
فإن كان قول قد أصاب مقاتلاً ... فإن جواب القول أدهى و أقتل
و قد قيل في حفظ اللسان و خزنه ... مسائل من كل الفضائل أكمل
و من لم تقربه سلامة غيبه ... فقربانه في الوجه لا يتقبل
و من يتخذ سوء التخلف عادة ... فليس عليه في عتاب معول
و من كثرت منه الوقيعة طالباً ... بها غرة فهو المهين المذلل
و عدل مكافاة المسيء بفعله ... فماذا على من في القضية يعدل
و لا فضل في الحسى إلى من يحسها ... بلى عند من يزكو لديه التفضل
و من جعل التعريض محصول مزحه ... فذاك علىالمقت المصرح يحصل