ابن علاثة على ولايته القضاء
أخبرنا علي بن المحسن، قال: أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر، قال: حدثني عبد الباقي بن قانع، قال: حدثني بعض شيوخنا، قال: استأذن ابن علاثة، على سفيان الثوري بعد أن ولي القضاء، فدخل عمار بن محمد، ابن أخت سفيان، يستأذن له على سفيان، فلم يأذن له، وكان سفيان يعجن كسباً للشاة، فلم يزل به عمار حتى أذن له.
فدخل ابن علاثة، فلم يحول سفيان وجهه إليه، ثم قال له: يا ابن علاثة، ألهذا كتبت العلم ؟ لو اشتريت صيراً بدرهم - يعني سميكاً - ثم درت في سكك الكوفة، لكان خيراً من هذا.
جاء الرسول ببشرى منك تطمعني
أخبرني علي بن أبي علي المعدل، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم الأزدي، الكاتب، قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: أنشدني أحمد بن صدقة، لأبي الشيص:
جاء الرسول ببشرى منك تطمعني ... فكان أكبر ظني أنه وهما
فلما فرحت ولكن زادني حزناً ... علمي بأن رسولي لم يكن فهما
كم من سريرة حب قد خلوت بها ... ودمعة تملأ القرطاس والقلما
لا ينقص الكامل من كماله
ما جر من نفع إلى عياله
أخبرنا علي بن أبي علي البصري، قال: حدثنا محمد بن العباس الخزاز، قال: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثنا محمد بن المرزبان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: رأى رجل محمد بن كناسة، يحمل بيده بطن شاة، فقال له: أنا، أحمله لك، فقال:
لا ينقص الكامل من كماله ... ما جر من نفع إلى عياله
على الباغي تدور الدوائر
ذكر القاضي التنوخي، في كتابه نشوار المحاضرة، قال: حدثني إبراهيم النصيبي، عن جار له يقال له، أبو القاسم الصفار، قال: خرجت من نصيبين، بسيف نفيس، كنت ورثته عن أبي، وقصدت العباس بن عمرو، أمير ربيعة، لأهدية له، وهو في رأس العين.
فصحبني شيخ من شيوخ الأعراب، وسألني عن خبري، فأخبرته، وقد كنا قريبين من رأس العين، فدخلناها وافترقنا.
وكان يأتيني ويراعيني، ويظهر لي البر، ويسألني عن حالي، فأخبرته أن الأمير قبل هديتي، وأعطاني ألف درهم وثياباً، وأني أريد الخروج يوم كذا وكذا، فمضى.
فلما كان ذلك اليوم، خرجت من الدار، راكباً حماراً، فلما صرت في الصحراء، إذ أنا بالشيخ راكباً دويبة ضعيفة، متقلداً سيفاً.
فلما رأيته استربت به، وأنكرت وجهه، وأيقنت بالشر في عينيه، فقلت: ما تصنع ها هنا.
فقال: قضيت حوائجي، وأريد الخروج صحبتك، وصحبتك عندي آثر من صحبة غيرك.
فقلت: على اسم الله.
فمضينا، وهو يجتهد أن آنس به، وأدنو منه، وكلما دنا مني، تباعدت عنه، إلى أن سرنا شيئاً كثيراً من الطريق، وليس معنا ثالث، إلا الله تعالى ؛ فقصر عني، فحثثت حماري لأفوته، فما أحسست إلا بركضه في إثري، فالتفت، وإذا هو قد جرد سيفه، وقصدني، فرميت بنفسي عن الحمار، وعدوت.
فلما خاف أن أفوته صاح: يا أبا القاسم، إنما مزحت معك.
فلم ألتفت إليه، فضرب دابته، وزاد في الجري، ولاح لي ناووس، فقصدته، وقد كاد الأعرابي أن يلحقني، فلما دخلت الناووس، وقفت وراء بابه.
قال: ومن صفة هذا الناووس، أنه مبني بحجارة، وباب هذا الناووس حجر واحد عظيم، قد نقر، وحفف، فلا تستمكن اليد منه، وله من خارج الباب حلقة، وليس من داخله شيء تلزم به اليد، وإنما يدفع من خارجه، فينفتح، فيدخل إليه، فإذا خرجت، وجذبت الحلقة، انغلق الباب، وتمكن الذي يكون من خارجه.
فاختبأت وراء باب الناووس، فجاء الأعرابي، فشد دابته في حلقة الباب، ودخل يطلبني في الناووس، وكان مظلماً، فلم يرني، ومشى إلى داخل، فخرجت من خلف الباب، وجذبت الحلقة، حتى صار مغلقاً، فرأى الموت عياناً.
فصاح من الناووس: يا أبا القاسم، اتق الله، فإني تالف لا محالة.
فقلت: تتلف أنت، أهون من أن أتلف أنا.
قال: أخرجني، وأنا أعطيك أماناً، واستوثق لك بالأيمان، إني لا أتعرض لك بسوء، واذكر الحرمة.
فقلت: أنت لم ترعها، وأيمانك كاذبة فاجرة، لا أثق بها.
وأخذ يكرر هذا، فقلت: لا تهذ، فإني أركب الآن دابتك، وأجنب حماري، والوعد بيننا بعد أيام ها هنا، فلا تبرح حتى أجيء، وإن احتجت إلى طعام، فعليك بجيف العلوج، فنعم الطعام لك.
قال: فأخذ يبكي، ويستغيث، ويصيح: قتلتني، والله.