أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن، فيما أذن لنا أن نرويه عنه، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم المازني، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدثنا ابن أبي الدنيا، قال: حدثني هارون بن أبي بكر بن عبد الله بن مصعب، قال: حدثني إسحاق بن يعقوب مولى آل عثمان، عن أبيه، قال: إنا لبفناء دار عمرو بن عثمان بالأبطح، صبح خامسة من التهاني، إذ درئت برجل على راحلة، ومعه أداوة جميلة، قد جنب إليها فرساً وبغلاً، ومعه رفيق له، فوقفا علي، فسألاني، فانتسبت لهما عثمانياً، فنزلا، وقالا: رجلان من أهلك، قد نابتنا إليك حاجة، نحب أن تقضيها قبل الشدة بأمر الحاج.
قلت: فما حاجتكما؟ قالا: نريد إنساناً يوقفنا على قبر عبيد الله بن سريج.
قال: فنهضت معهما، حتى بلغت محلة ابن أبي قارة، من خزاعة، بمكة، وهم موالي عبيد الله بن سريج، فالتمست لهما إنساناً يصحبهما، حتى يوقفهما على قبره بدسم، فوجدت ابن أبي دباكل، فأنهضته معهما.
فأخبرني ابن أبي دباكل، أنه لما وقفهما على قبره، نزل أحدهما عن راحلته، وهو عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، ثم عقرها، واندفع يغني غناء الركبان بصوت طليل حسن:
وقفنا على قبر بدسم فهاجنا ... وذكرنا بالعيش إذ هو مصحب
فجالت بأرجاء الجفون سوافح ... من الدمع تستتلى التي تتعقب
إذا أبطأت عن ساحة الخد ساقها ... دم بعد دمع إثره يتصبب
فإن تسعدا نندب عبيداً بعولة ... وقل له منا البكا والتحوب
فلما أتى عليها، نزل صاحبه، فعقر ناقته، وهو رجل من جذام، يقال له: عبيد الله بن المنتشر، فاندفع يتغنى غناء الخلوات:
فارقوني وقد علمت يقيناً ... ما لمن ذاق ميتة من إياب
إن أهل الحصاب قد تركوني ... موجعاً مولعاً بأهل الحصاب
أهل بيت تتابعوا للمنايا ... ما على الدهر بعدهم من عتاب
سكنوا الجزع جزع بيت أبي مو ... سى إلى الشعب من صفي الشباب
كم بذاك الحجون من حي صدق ... من كهول أعفة وشباب
قال: ابن أبي دباكل: فوالله، ما أتم منها ثالثاً، حتى غشي على صاحبه، ومضى غير معرج عليه، حتى إذا فرغ، جعل ينضح الماء في وجهه، ويقول: أنت أبداً، منصوب على نفسك من كلفات ما ترى.
فلما أفاق قرب إليه الفرس، فلما علاه، استخرج الجذامي، من خرج على البغل، قدحاً، وأداوة، فجعل في القدح، تراباً من تراب القبر، وصب عليه ماء، ثم قال: هاك، فاشرب هذه السلوة، فشرب، ثم جعل الجذامي، مثل ذلك لنفسه، ثم نزا على البغل، وأردفني، فخرجنا، لا والله، ما يعرجان، ولا يعرضان بذكر شيء مما كانا فيه، ولا أرى في وجوههما مما كنت أرى قبل شيئاً.
قال: فلما اشتمل علينا أبطح مكة، مد يده إلي بشيء، وإذا عشرون ديناراً.
فوالله، ما جلست حتى ذهبت ببعيري، واحتملت أداوي الراحلتين، فبعتهما بثلاثين ديناراً.
حديث بهرام جور وولده
أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحيم بن أحمد المازني الكاتب، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم بن جعفر الكوكبي قال: حدثنا عيسى بن محمد أبو ناظرة السدوسي، قال: حدثني قبيصة بن محمد المهلبي، قال: أخبرني اليمان بن عمرو، مولى ذي الرياستين، قال: كان ذو الرياستين، يبعثني، ويبعث أحداثاً من أحداث أهله، إلى شيخ بخراسان، له أدب، وحسن معرفة بالأمور، ويقول لنا: تعلموا منه الحكمة، فإنه حكيم، فكنا نأتيه، فإذا انصرفنا من عنده، سألنا ذو الرياستين، واعترض ما حفظناه، فنخبره به.
فقصدنا ذات يوم إلى الشيخ، فقال: أنتم أدباء، وقد سمعتم، ولكم جدات ونعم، فهل فيكم عاشق؟ فقلنا: لا.
فقال: اعشقوا، فإن العشق يطلق اللسان العيي، ويفتح حيلة البليد والمخبل، ويبعث على التنظف وتحسين اللباس، وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء، ويشرف الهمة، وإياكم والحرام.
فانصرفنا من عنده إلى ذي الرياستين، فسألنا عما أخذنا في يومنا ذاك، فهبنا أن نخبره، فعزم علينا، فقلنا: إنه أمرنا بكذا وكذا.
قال: صدق والله، تعلمون من أين أخذ هذا؟ قلنا: لا.