وكان يكتب بمدينة السلام لأبي جعفر هارون بن محمد الضبي خليفة أحمد بن هلال صاحب عمان، بحضرة المقتدر، ووزرائه، ولغيره من بعده.
وكتب بالبصرة لأبي الحسن أحمد، وأبي أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى، وبعدهما لقاضي البلد أبي القاسم جعفر بن عبد الواحد الهاشمي على الوقوف التي تليها القضاة، ويحضر به في مجلس حكمه، ثم لأخيه أبي الحسن محمد بن عبد الواحد، لما ولي قضاء البصرة، ثم لزم بيته إلى أن مات.
وكان كثير الشعر، حسن الطبع، جيد الصنعة، مشتهراً بالتشبيهات.
لعن الله الدنيا
قال أبو علي: كنت في سنة 352 ببغداد، فحضر أول يوم شهر رمضان فاصطحبنا أنا وأبو الفتح عبد الواحد بن أبي علي الحسين بن هارون، الكاتب في دار أبي الغنائم، الفضل بن الوزير أبي محمد المهلبي، لتهنئته بالشهر، عند توجه أبيه إلى عمان.
وبلغ أبو محمد إلى موضع من أنهار البصرة يعرف بعلياباذ، ففترت نيته عن الخروج إلى عمان.
واستوحش معز الدولة منه، وفسد رأيه فيه.
واعتل المهلبي هناك، ثم أمره معز الدولة، بالرجوع من علياباذ، وأن لا يتجاوزه، وقد اشتدت علته، والناس بين مرجف بأنه يقبض عليه إذا حصل بواسط، أو عند دخوله إلى بغداد، وقوم يرجفون بوفاته.
وخليفته إذ ذاك على الوزارة ببغداد، أبو الفضل العباس بن الحسين بن عبد الله، وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس.
فجئنا إلى أبي الغنائم، ودخلنا إليه وهو جالس في عرضي في داره التي كانت لأبيه على دجلة، على الصراة، عند شباك في دجلة، وهو في دست كبير عال، جالس، وبين يديه الناس على طبقاتهم، فهنأناه بالشهر وجلسنا، وهو إذ ذاك صبي غير بالغ، إلا أنه محصل.
فلم يلبث أن جاء أبو الفضل وأبو الفرج، فدخلا إليه وهنآه بالشهر، فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، على طرف دسته، في الموضع الذي فيه فضلة المخاد إلى الدست، ما تحرك لأحدهما، ولا انزعج، ولا شاركاه في الدست.
وأخذا معه في الحديث، وزادت مطاولتهما، وأبو الفضل يستدعي خادم الحرم، فيساره، فيمضي ويعود، ويخاطبه سراً.
إلى أن جاءه بعد ساعة، فساره، فنهض.
فقال له أبو الفرج: إلى أين يا سيدي؟ فقال: أهنيء من يجب تهنئته وأعود إليك، وكان أبو الفضل زوج زينة، أخت أبي الغنائم، من أبيه وأمه تجني.
فحين دخل واطمأن قليلاً، وقع الصراخ، وتبادر الخدم والغلمان، ودعي الصبي، وكان يتوقع أن يرد عليه خبر موت أبيه، لأنه كان عالماً بشدة علته، فقام، فمسكه أبو الفرج، وقال: اجلس، اجلس، وقبض عليه. وخرج أبو الفضل وقد قبض على تجني، أم الصبي، ووكل بها خدماً، وختم الأبواب، ثم قال للصبي: قم يا أبا الغنائم إلى مولانا - يعني معز الدولة - فقد طلبك، وقد مات أبوك.
فبكى الصبي، وسعى إليه، وعلق بدراعته، وقال: يا عم، الله، الله، فيّ، يكررها.
فضمه أبو الفضل إليه، واستعبر، وقال: ليس عليك بأس ولا خوف، وانحدروا إلى زبازبهم، فجلس أبو الفرج في زبزبه، وجلس أبو الفضل في زبزبه، وأجلس الغلام بين يديه، وأصعدت الزبازب، تريد معز الدولة بباب الشماسية.
فقال أبو الفتح بن الحسين: ما رأيت مثل هذا قط، ولا سمعت، لعن الله الدنيا، أليس الساعة، كان هذا الغلام في الصدر معظماً، وخليفتا أبيه، بين يديه، وما افترقا حتى صار بين أيديهما ذليلاً حقيراً.
ثم جرى من المصادرات على أهله وحاشيته، ما لم يجر على أحد.
نعوذ بالله من الخيبة والخذلان
حدث أبو القاسم التنوخي: أن نقفور لما فتح طرسوس، نصب في ظاهرها علمين، ونادى مناديه، من أراد بلاد الملك الرحيم، وأحب العدل والنصفة، والأمن على المال، والأهل، والنفس، والولد، وأمن السبل، وصحة الأحكام، والإحسان في المعاملة، وحفظ الفروج، وكذا وكذا، وعد أشياء جميلة، فليصر تحت هذا العلم، ليقفل مع الملك إلى بلاد الروم.
ومن أراد الزنا، واللواط، والجور في الأحكام والأعمال، وأخذ الضرائب، وتملك الضياع عليه، وغصب الأموال، وعد أشياء من هذا النوع غير جميلة، فليحصل تحت هذا العلم إلى بلاد الإسلام.
فصار تحت علم الروم خلق من المسلمين، ممن تنصر، وممن صبر على الجزية.