FluentPlex

Table-Talk

ابن الجصاص التاجر

Original text Public domain

Read with the dictionary

فقال لي هو: يا بني، أرباب هذه الدولة إذا حدثوا عني بهذا وشبهه، قالوا: المنجم إنما يفعل هذا رياء، وما أفعله إلا لله تعالى، وإن كان رياء فهو حسن أيضاً، فلم لا يراؤون هم بمثل هذا الرياء؟ ولكن الطباع خست، حتى في الحسد أيضاً، كان الناس قديماً إذا حسدوا رجلاً على يساره، حرصوا على كسب المال حتى يصيروا مثله، وإذا حسدوا على علمه، تعلموا حتى يضاهوه، وإذا حسدوا على جوده، بذلوا حتى يقال إنهم أكرم منه، وإذا وعدد أشياء كثيرة، فالآن لما ضعفت الطبائع، وصغرت النفوس، وعجزوا أن يجعلوا أنفسهم مثل من حسدوه، في المعنى الذي حسدوه عليه، عدلوا إلى تنقص المبرز، فإن كان فقيراً شنعواً على فقره، وإن كان عالماً خطأوه، وإن كان جواداً قالوا هذا متاجر بجوده وبخلوه، وإن كان فعالاً للخير، قالوا هذا مراء.

الوزير حامد بن العباس يرى قشر باقلاء

في دهليز داره: حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي رحمه الله، قال: كان حامد بن العباس من أوسع من رأيناه نفساً، وأحسنهم مروءة، وأكثرهم نعمة، وأشدهم سخاء، وتفقداً لمروءته.

وكان ينصب في داره كل يوم عدة موائد، ولا يخرج من الدار أحد من الجلة والعامة والحاشية وغيرهم إذا حضر الطعام، أو يأكل، حتى غلمان الناس، فربما نصب في داره في يوم واحد أربعين مائدة.

وكان يجري على كل من يجري عليه الخبز لحماً، وكانت جراياته كلها الحواري.

فدخل يوماً إلى دهليز داره، فرأى قشر باقلاة، وأحضر وكيله، وقال: ويلك يؤكل في داري الباقلا؟ قال: هذا من فعل البوابين.

قال: أوليست لهم جرايات لحم؟ قال: بلى.

قال: فسلبهم عن السبب، فسألهم، فقالوا: لا نتهنأ بأكل اللحم دون عيالنا، فنحن ننفذه إليهم لنأكله معهم ليلاً، ونجوع بالغدوات فنأكل الباقلاً، فأمر حامد أن يجري عليهم جراية لعيالاتهم، تحمل إلى منازلهم، وأن يأكلوا جراياتهم في الدهليز، ففعل ذلك.

فلما كان بعد أيام، رأى باقلاة في الدهليز أيضاً، فاستشاط، وكان حديداً، سفيه اللسان، فشتم وكيله، وقال: ألم أضعف الجرايات، فلم في دهليزي قشور الباقلا؟ فقال: إن الجرايات لما تضاعفت، جعلوا الأولة لعيالاتهم في كل يوم، وصاروا يجمعون الثانية عند القصاب، فإذا خرجوا من النوبة ومضوا نهاراً إلى منازلهم، في نوبة استراجاتهم فيها، أخذوا ذلك مجتمعاً من القصاب فتوسعوا به.

فقال: فلتكن الجرايات بحالها، ولتتخذ مائدة في كل يوم، تنصب غدوة قبل نصب موائدنا، يطعم عليها هؤلاء، ووالله، لئن وجدت بعدما في دهليزي قشر باقلاة، لأضربنك وجميعهم بالمقارع.

ففعل ذلك، وكان ما زاد من نفقة الأموال، وأمراً عظيماً.

الوزير حامد بن العباس يخبىء

أربعمائة ألف دينار في بئر مسراح: حدثني القاضي أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحارث ابن عياش الجوهري البغدادي، وأبو الحسن بن المأمون الهاشمي: أنه وجد لحامد في نكبته التي قتل فيها، في بئر لمستراح له، أربعمائة ألف دينار عيناً، دل عليها لما اشتدت به المطالبة.

وأخبرني غيرهما: أن حامداً كان عمل حجرة، وجعل فيها مستراحاً، وكان يتقدم إلى وكيله أن يبتاع له الدنانير، ويجيء بها، فكلما حصل له كيس، أخذه تحت ثيابه، وقام كأنه يبول، فدخل ذلك المستراح، فألقى الكيس في البئر، وخرج من غير أن يصب فيها ماء ولا يبول، ويوهم الفراش أنه فعل ذلك، فإذا خرج أقفل المستراح، ولم يدخله غيره، على رسم مستراحات السراة التي يختصونها، وإذا أراد الدخول، فتحه له الخادم الموسوم بالوضوء، وذلك الخادم أيضاً لا يعلم السر في ذلك، فلما تكامل ذلك المال، قال: هذا المستراح ضيق البناء، قبيح، فسدوه لأغيره، فسد البئر، وعطل المستراح، فحصل ذلك المال مصوناً في الموضع، لا يعرف خبره غيره.

فلما اشتدت به المطالبة، دل عليه، فأخرج وما ذهب منه شيء ولا عرف خبره إلا من جهته.

مصادرة التاجر ابن الجصاص

في زمن المقتدر زادت على ستة ملايين دينار: وحدثني أبو الحسين بن عياش: أنه سمع جماعة من ثقات الكتاب يقولون: إنهم حصلوا ما ارتفعت به مصادرة أبي عبد الله بن الجصاص في أيام المقتدر، فكانت ستة آلاف ألف دينار، سوى ما قبض من داره، وبعد الذي بقي له من ظاهره.

ابن الجصاص التاجر

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account