واعلموا أنه لا بد من سخط سيحدث منكم على بعض إخوانكم المعروفين بالنصيحة لكم، ولا بد من رضىً سيحدث لكم على بعض أعدائكم المعروفين بالغش لكم، فلا تُحدثوا، عندما يكون من ذلك، انقباضاً عن المعروف بالنصيحة، ولا استرسالاً إلى المعروف بالغش.
وقد خلّفت لكم رأيي إذ لم أستطع تخليف بدني، وقد حبوتكم بما حبوت به نفسي، وقضيت حقكم فيما آسيتكم به من رأيي، فاقضوا حقي بالتشفيع لي في صلاح أنفسكم والتمسك بعهدي إليكم، فإني قد عهدت إليكم عهدي وفيه صلاح جميع ملوككم وعامتكم وخاصتكم، ولن تضيعوا ما احتفظتم بما رسمت لكم ما لم تضعوا غيره، فإذا تمسكتم به كان علامةً في بقائكم ما بقي الدهر.
ولو لا اليقين بالبوار النازل على رأس الألف من السنين لظننت أنت قد خلّفت فيكم ما إن تمسكتم به كان علامةً في بقائكم ما بقي الدهر، ولكن الفناء إذا جاءت أيامه أطعتم أهواءكم، واستثقلتم ولاتكم، وأمنتم، وتنقلتم عن مراتبكم، وعصيتم خياركم، وكان أصغر ما تخطئون فيه سلّماً إلى أكبر منه حتى تفتقوا ما رتقنا، وتُضيعوا ما حفظنا.
والحق علينا وعليكم ألا تكونوا للبوار أغراضاً، وفي الشؤم أعلاما، فإن الدهر إذا أتى بالذي تنتظرون اكتفى بوحدته.
ونحن ندعو الله تعالى لكم بنماء المنزلة، وبقاء الدولة، دعوة لا يفنيها فناء قائلها، ولا يُميتها موت داعيها حتى المُنقلب، ونسأل الله الذي عجّل بنا وأخّركم، وقدّمنا وخلّفكم، أن يرعاكم رعايةً يرعى بها من تحت أيديكم، وأن يرفعكم رفعةً يضع بها من عاداكم، وأن يكرمكم كرامةً يُهين بها من ناوأكم، ونستودعكم الله العظيم وديعةً يكفيكم بها الدهر الذي يُسلمكم وباله وغيره وعثراته وغدراته والسلام على أهل الموافقة ممن يأتي عليه العهد من الأمم الكائنة بعدي.
الباب الرابع
مواعظ ونكت للزهاد
قال عمر بن عبد العزيز لبعضهم: " إني أخاف الله مما دخلت فيه " قال: لست أخاف عليك أن تخاف، إنما أخاف عليك ألا تخاف.
قال بعضهم: لا تجعل بينك وبين الله منعماً، وعد النعم منه عليك مغرماً.
دخل سالم بن عبد الله على هشام في البيت فقال له هشام: سل حاجتك، قال: " أكره أن أسأل في بيت الله غير الله " .
وقيل لرابعة القيسية: لو كلّمت أهلك أن يشتروا لك خادماً يكفيك مؤونة بيتك! فقالت: " إني أستحي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ " .
قال بكر بن عبد الله: " أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم " .
ولما خبّر أبو حازم سليمان بن عبد الملك أبو عبد الله للمذنبين، قال: فأين رحمة الله؟ قال: " قريب من المحسنين " .
كان بلال بن سعد يقول: " زاهدكم راغب، ومجتهدكم مقصر، وعالمكم جاهل، وجاهلكم مغتر " .
وقال عامر بن عبد قيس: " الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم، مرتجعة للعطية، وكل من فيها يجري إلى ما لا يدري، وكل مستقر فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار " .
باع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضاً له بثمانين ألفاً فقيل له: لو اتخذت لولدك ذُخراً من هذا المال! قال: أنا أجعل هذا المال ذخراً لي، وأجعل الله ذخراً لولدي.
رأى إياس بن قتادة العبشمي شيبةً في لحيته فقال: " أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته، أعوذ بك من فُجاءة الأمور. يا بني سعد قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبتي " ولزم بيته فقال له أهله: تموت هُزلاً، قال: " لأن أموت مؤمناً مهزولاً أحب إليّ من أن أموت منافقاً سميناً " .
قال بكر بن عبد الله: وما الدنيا؟ أما ما مضى منها فحلم، وما بقي منها فأماني.
قال مُوّرق: خير من العجب بالطاعة ألا تأتي بطاعة.
وقال: ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه.
وقال بكر بن عبد الله: اجتهدوا في العمل فإن قصر بكم ضعف فكفوا عن المعاصي.
قال: أوحى الله إلى الدنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه.
قيل لرابعة: هل عملن عملاً ترين أنه يُقبل منك؟ قالت: إن كان شيء فخوفي أن يُرد عليّ.
قيل لرجل مريض: كيف تجدك؟ قال: لم أرض حياتي لموتي.
نظر حبيب يوماً إلى مالك بن دينار وهو يقسم صدقةً له علانية فقال له: يا أخي إذا ركزت كنزاً فاستره.
دخل الأوزاعي على المهدي فقال له: إن الله قد أتاك فضيلة الدنيا، وكفاك طلبها؛ فاطلب فضيلة الآخرة فقد فرّغك لها.