FluentPlex

Scattered Pearls

هشام بن عبد الملك

Original text Public domain

Read with the dictionary

تكلم وفد بين يدي سليمان فأخطئوا، وتكلم بعدهم رجل فأبلغ. فقال سليمان: كأن كلامكم بعد كلامه سحابة لبدت عجاجه. وقال: عجبت لهذه الأعاجم، ملكت طول الدهر، فلمم تحتج إلى العرب، وملكت العرب فلم تستغن عنهم. وتغدى سليمان بن عبد الملك عند يزيد بن المهلب، فقيل له: صف لنا أحسن ما كان في منزله. قال: رأيت غلمانه يخدمونه بالإشارة دون القول. وقال: قد أكلنا الطيب، ولبسنا اللين، وركبنا وامتطينا الفاره العذراء، فلم يبق من لذتي إلا صديق أطرح بيني وبينه مؤونة التحفظ. سمع سليمان رجلاً من الأعراب في سنة جدبة يقول:

رب العباد مالنا ومالكا؟ ... قد كنت تسقينا فما بدا لكا

أنزل علينا الغيث، لا أبا لكا

فقال سليمان أشهد أن لا أبا له، ولا ولد له ولا صاحب. قال المبرد: فأخرجه أحسن مخرج. قال سليمان ليزيد بن المهلب: ثلاث أنكرهن منك، خفك أبيض مثل ثوبك، ولا يكون خف الرجل مثل ثوبه، وطيبك ظاهر، وطيب الرجل يشم ولا يرى أثره، وتكثر من مس لحيتك. قال: فغير خفه وطيبه. وقال: ما رأيت عاقلاً بهم أمرٍ إلا كان معوله على لحيته. وخطب فقال: الحمد لله الذي ما شاء صنع، ومن شاء رفع، ومن شاء وضع، ومن شاء أعطى ومن شاء منع. إن الدنيا دار غرور، ومنزل باطل وزينة، تقلب بأهلها، تضحك باكياً، وتبكي ضاحكاً، وتخيف آمناً، وتؤمن خائفاً، تفقر مثريها، وتقرب مقصيها، ميالة لاعبة بأهلها. عباد الله، اتخذوا كتاب الله إماماً، وارضوا به حكماً، واجعلوه لكم قائداً، فإنه ناسخ لما كان قبله، ولن ينسخه كتاب بعده. اعلموا عباد الله: أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه، كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس أدبار الليل إذا عسعس. وكان سليمان يقول: المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث يفخم اللحن كما يفخم نافع بن جبير الإعراب. وجمع بين الزهري وقتادة، فغلب قتادة الزهري، فقيل لسليمان في ذلك، فقال: إنه فقيه مليح. وقيل: كان أول كلام بارع سمع من سليمان قوله: الكلام فيما يعنيك خيرٌ من السكوت عما يضرك، والسكوت عما يغنيك خير من الكلام عما يضرك. وقال: قد ركبنا الفاره وتبطنا الحسناء، ولبسنا اللين، وأكلنا، الطيب حتى أجمناه، وما أنا اليوم إلى شيء بأحوج مني إلى جليس يضع عني مئونة التحفظ. وروي عن قحذمٍ قال: فعل سليمان في غداةٍ ما لم يفعل عمر بن عبد العزيز، أطلق ثمانين ألف أسير وكتب أن يبتتوا أي: يزودوا، والبتات: الزاد.

يزيد بن عبد الملك

كتب إليه عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس يستأذنه في غلامٍ يهديه إليه، فكتب إليه يزيد: إن كنت لا بد فاعلاً فليكن جميلاً ظريفاً لبيباً أديباً كاتباً، فقيهاً حلواً، عاقلاً أميناً سرياً، يقول فيحسن، ويحضر فيزين، ويغيب فيؤمن. فكتب إليه: قد التمست صفة أمير المؤمنين، فلم أجدها إلا في القاسم بن محمد، وقد أبى أهله بيعه.

هشام بن عبد الملك

ذكر خالد بن صفوان خالد بن عبد الله القسري عند هشام، فقال هشام: إن خالداً أدلَّ فأمل، وأوجف فأعجف، ولم يترك لأوبة مرجعاً، ولا للصلح موضعاً، وإني لكما قال الشاعر:

إذا انصرفت نفسي عن الشيئ لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل

نهض هشام عن مجلسه مرة، فسقط رداؤه عن منكبه، فتناوله بعض جلسائه، ليرده إلى موضعه، فجذبه هشام من يده، وقال: مهلاً إنا لانتخذ جلساؤنا خولاً. عدت لهشام مع دهائه سقطتان إحداهما: أن الحادي حدا به، فقال:

إن عليك أيها البختي ... أكرم من تمشي به المطي

فقال هشام: صدق. والأخرى: أنه ذكر عنده سليمان بن عبد الملك، فقال: والله لأشكونه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك. وقال له مسلمة أخوه: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل. وأنت جبان؟ قالك لأني حليم وأني عفيف. وسمع هشام قول الكميت:

مبدياً صفحتي على الموقف المع ... لم، بالله قوتي واعتصامي

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account