- وأهل الشام راضون بك، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحزَّ وطبق المفصل، ولا تلقَهُ برأيكَ كله. وخطب مرة فقال: أيها الناس، إنا قد أصبحنا في دهرٍ عنود، وزمنٍ شديد، يُصبِحُ فيه المحسِن مسيئاً، ويزداد الظالم عتواً، لا ننتفع بما علمنا، ولانسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعةً حتى تحُلَّ بنا، فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد إلا مهانة نفسه، وكلال حدِّه، ونضيض وقْرِه. ومنهم المصلِتُ لسيفه، المجلِبُ برجله، المعلن بشرِّه، قد أشرط نفسه، وأوبق دينه لحطام ينتهزه، ومقنبٍ يقوده أو منبرٍ يفرعُه، ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمناً، وممَّالك عند الله عوضاً. ومنهم من يطلبُ الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه، وقارب من خطوهِ، وشمر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب المال ضئولة نفسه، وانقطاع سببه، فقصر به الحال على حال، فتحلَّى باسم القناعة، وتزيَّن باسم الزهاد، وليس من ذلك في مراح ولا مفدى. وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نادِّ، وخائف منقمع، وساكت مكعوم، وداعٍ مخلص، وموجَع ثكلانَ، قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، فهم في بحرٍ أجاج أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة، وعظوا حتى ملُّوا، وقُهِروا حتى ذلُّوا، وقُتِلوا حتى قلُّوا، فلتكن الدنيا أقل في أعينكم من حثالة القراظ وقراضة الجلم، واتعظوا بمن كان قبلكم، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة، فإنها قد رفضت من كان أشفف بها منكم. وقال يونس بن سعيد الثَّقفي: اتَّق الله لا أطير بك طيرةً بطيئاً وقوعها. قال: أليس بي وبك المرجِعُ بعدُ إلى الله؟ قال: بلى، فأستغفر الله. طلب زياد رجلاً كان في الأمان الذي أخذه الحسن لأصحابه، فكتب الحسن فيه إلى زياد: أما بعد، فقد علمت ما كنا أخذنا لاصحابنا، وقد ذكر فلانٌ أنك قد عرضتَ له، فأحِبُّ ألا تعرضَ له بخير، فلما أتى زياداً الكتاب، ولم ينسِبه فيه إلى أبي سفيان غضب وكتب: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن أما بعد فإنه قد أتاني كتابُك في فاسقٍ يؤويه الفساق من شيعةِ أبيك وشيعتك. وأيم الله لأطلبنهم ولو بين جلدك ولحمك، وإن أحب الناس إليَّ لحماً أن آكله لحمٌ أنت منه. فلما قرأه الحسن بعث به إلى معاوية، فلما قرأه غضب و كتب: من معاوية إلى زياد. أما بعد، فإن لك رأيين: رأياً من أبي سفبان ورأياً من سمية. فأما رأيُك من أبي سفيان فحلمٌ وحزم، وأما رأيك من سمية فما يكون من رأي مثلها، وقد كتب إليَّ الحسن بن علي أنك عرضت لصاحبه، فلا تعرض له، فإني لم أجعل لك عليه سبيلاً. وإن الحسن بن علي لا يُرمى به الرَّجوان. والعجبُ من كتابك إليه، لا تنسبه إلى أبيه. فإلى أُمه وكلته؟ وهو ابن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فالآن حين اخترت له. والسلام. وقال لقوم من بني أسد: ما معيشتكم؟ قالوا: التجارة في الرقيق: قال بئس التجارة، ضمان نفس ومئونة ضرس. وقال لجماعة من قريش كانوا عنده: يا معشر قريش، ما بال الناس لأم وأنتم لعلات؟ تباعدون منكم ما قرب الله، وتقطعون ما وصل الله، بل كيف ترجون لغيركم، وقد عجزتم عن أنفسكم؟ أتقولون: كفانا الشرف من كان قبلنا؟ فعندها لزمتكم الحجة، فاكفوه من بعدكم. أولا تعلمون أنكم كنتم رقاعاً في جيوب العربن قد أخرِجتم من حرم ربكم، ومنِعتم ميراث أبيكم. حتى جمعكم الله على رجلٍ فردَّكم إلى بلادكم، وأخذ لكم ما أُخِذَ منكم، فسمَّاكم الله باجتماعكم اسماً دنت لكم به العرب، وردَّ به عنكم كيد العجم، فقال: " فجعلهم كعصفٍ مأكول " ، " لإيلاف قريش " فارغبوا في الألفة التي أكرمكم الله بها، وإياَّكم والفرقة، فقد حذَّرَتكم نفسها، وكفى بالتجربة واعظاً. وقال لعبد الرحمن ابن أم الحكم: بلغني أنك قد لهجتَ بقول الشعر. قال: قد فعلتُ. قال: فإياك و التشبيب بالنساء، فتَغُرَّ الشريفة، وترمي العفيفة، وتقرَّ على نفسك بالفضيحة، وإياك والهجاء، فإنك تحنق عليك كريماً، وتستثير سفيهاً. وإياك والمديح، فإنه طعمة الوقاح، وتفحش السؤال، ولكن افخر بمفاخر قومك وقل من الشعر ما تزيِّن به نفسك، وتؤب به غيرك. وقال لعمرو بن سعيد: ليس بين الملك وبين أن يملك جميع رعيته، أو يملكه جميعهم إلا حزمٌ
Scattered Pearls
كلام معاوية بن أبي سفيانOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.