وكان عبد اللّه المعتز أديباً، بليغاً، شاعراً، مطبوعاً، مجوداً، مقتدراً على الشعر، قريب المأخذ، سَهْلَ اللفظ، جيد القريحة، حسن الاختراع للمعاني، فمن ذلك قوله:
تقول العاذلات: تَعَزَّ عنها ... وأطْفِ لهيب قلبك بالسُّلو
وكيف وقًبْلَةٌ منها اختلاسا ... ألذ من الشماتة بالعَدُو؟
وقوله:
ضعيفةٌ أجفانه ... والقلب منه حَجَرُ
كأنما ألحاظه ... من فعله تعتذر
وقوله:
تولَّى الجهل، وانقطع العتاب، ... ولاح الشيب، وافتضح الخضاب
لقد أبغضت نفسي في مشيبي ... فكيف تحبني الخود الكعاب؟
وقوله:
عجبا للزمان في حالتيه ... وبَلاَءٍ دفعت منه إليه
رُبَّ يوم بكيت فيه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
وقوله في أبي الحسن علي بن محمد بن الفُرَات الوزير:
أبا حسن ثَبَتِّ فيِ الأرض وَطْأتي ... وأدركتني في المعضلات الهزاهز
وألبستني درعاً عليَّ حصينة ... فناديت صرف الدهر هل من مبارز
وقوله أيضاً:
ومن شر أيام الفتى بَذْلُ وجهه ... إلى غير من خَفّتْ عليه الصنائع
متى يدرك الِإحسان من لم تكن له ... إلى طلب الِإحسان نفس تنازع
وقوله:
فإن شئت عادتني السقاة بكأسها ... وقد فَتَحَ الِإصباح في ليلة فَمَا
فخلت الدجا والفجر قد مَدّ خيطه ... رداءً مُوَشّى بالكواكب مُعْلَما
وقوله:
وأبكي إذا ما غاب نجم كأنني ... فقدْتُ صديقاً أو رُزِئْتُ حميما
فلو شق من طرف الليالي كواكب ... شققت لها من ناظريَّ نجوماً
ومما أحسن فيه قوله في عبيد اللّه بن سليمان:
لآل سليمانَ بْنِ وهب صنائع ... إليَّ ومعروف لديَّ تقدَّمَا
همُ علَّموا الأيام كيف تَبَرُّنِي ... وهم غَسَلُوا من ثوب والدي الدما
وقوله عند وفاة المعتصم باللّه:
قضوا ما قضوا من حقه ثم قدموا ... إما ما يؤمٌّ الخلق بين يديه
وصَلَّوْا عليه خاشعين كأنهم ... صفوفٌ قيام للسلام عليه
وقوله في فصادة المعتضد باللّه:
يا دماً سال من فراع الِإمام ... أنت أزكى من عنبر ومدام
قد ظنناك إذ جريت إلى الطّسْتِ ... دموعاً من مقلتَيْ مستهام
إنما غرق الطبيب شبا المبضع في نفس مهجة الِإسلام
وقوله:
اصبر على حسد الحسو ... د فإنَّ صبرك قاتُلهْ
فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
وقوله:
يطوف بالراح بيننا رَشَأ ... مُحَكَّم في القلوبِ والمُقَل
يكاد لحظ العيون حين بدا ... يسفك من خده دمَ الخجَل
وقوله:
رَشَأ يتيه بحسن صورته ... عَبَثُ الفتورِ بلحظ مقلته
وكأن عقرب صُدْغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته
وقوله:
إذا اجتنى وردة من خده فمه ... تكونت تحتها أخرى من الخجل
وفاة محمد بن داود الاصفهاني
قال: وكانت وفاة أبي بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني الفقيه سنة ست وتسعين ومائتين، وكان ممن قد علا في رتبة الأدب، وتصرف في بحار اللغة، وتفنّنَ في موارد المذاهب، وأشفى على أغراض المطالب، وكان عالماً بالفقه منفرداً، وواحداً فيه فريداً، وألف في عنفوان صباهُ وقبل كماله وانتهائه الكتاب المعروف بالزهرة، ثم تناهت فكرته، ونسقت قوته، فصنف في الفقهيات ككتابه الوصول إلى معرفة الأصول، وكتاب الِإنذار، وكتاب الأعذار والِإيجاز، وكتابه المعروف بالانتصار على محمد بن جرير وعبد اللّه بن شرشير وعيسى بن إبراهيم الضرير.
ومما قال فيه فأحسن في عنفوان شبابه، وأثبته في كتابه المترجم بالزهرة، وعَزَاهُ إلى بعض أهل عصره، وإن كان محسناً في سائر كلامه من منظومه ومنثوره قولُه:
على كبدي من خيفة البين لوعةٌ ... يكاد لها قلبي أسىً يتصدَّعُ
يخاف وقوع البينِ والشمل جامع ... فيبكي بعين دَمْعُهَا متسرع