FluentPlex

Meadows of Gold

البحتري ينشد المتوكل

Original text Public domain

Read with the dictionary

أضْعَفَ وجدي وزاد في سَقَمِي ... أن لست أشكو الهوى إلى أحد

وضعت كَفِّي على فؤاديَ من ... حَرِّ الأسى وانطوْيت فوق يدي

آه من الحب آه من كبدي ... إن لم أمت في غد فبعد غد

كأن قلبي إذا ذكرتهمُ فريسة ... بين ساعَدَيْ أسَدِ

فقلت: أحسنت للّه درك! زدني، فأنشأ يقول:

ما أقْتَلَ البين للنفوس!! وما ... أوْجعَ فقد الحبيب للكبد!!

عَرضْتُ نفسي من البلاء لما ... أسرف في مهجتي وفي جَلَدِي

يا حسرتي أن أموت معتقلاً ... بين اعتلاج الهموم والكَمِدِ

في كل يوم تفيض معولة ... عيني لعضو يموت في جسدي

فقلت: أحسنت للّه درك! ولا فضّ فوك! زدني، فأنشأ يقول:

اللَه يعلم أنني كَمِدُ ... لا أستطيع أبثُّ ما أجد

نفسان لي نفس تضمنها ... بلد، وأخرى حازها بلد

وأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر، وليس يُعِينها جَلَدُ

وأظنّ غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد

فقلت: واللّه أحسنت، فاستزتده، فقال: أراك كلما أنشدتك استزدتني، وما ذاك إلا لفرط أدب أو فراق شجن، فأنْشِدْنِي أنت أيضاً، فقلت للذي معي: أنشده، فأنشأ يقول:

عَذْلٌ وَبَيْن وتوديع ومرتحل ... أي العيون على ذا ليس تَنْهَمِلُ؟

تألفَه ما جلدي من بعدهم جلد ... ولا اختزان دموعي عنهمُ بَخَلُ

بلى، وحرمة ما ألقيْنَ من خبل ... قلبي إليهنَ مشتاق وقد رحلوا

وعدت أن البحار السبع لي مَدَدٌ ... وأن جسمي دموع كلها همل

وأنَ لي بدلاً من كل جانحة ... في كل جارحة يوم النوى مُقَلُ

لا درَّ درُّ النوى لو صادفَتْ جبلاً ... لا نهدَّ منها وشيكا ذلك الجبل

الهجر والبين والواشون والإِبل ... طلائع يتراءى أنها الأجل

فقال المجنون: أحسنت، وقد حضرني في معنى ما أنشدت إلى شعر، أفأنشده؟ قلت: هات: فأنشأ يقول:

ترحًلُوا ثم نيطت دونهم سُجُفٌ ... لو كنت أملكهم يوماً لما رحلوا

يا حادِيَ العِيس مهلاكي نودعها ... رفقاً قليلاً ففي توديعها الأجل

ما راعني اليوم شيء غير فقدهم ... لما استقلّت وسارت بالدُّمى الإِبل

إني على العهد لم أنْقُضْ مودتهم ... فليت شعري وطال الدهر ما فعلوا

قال المبرد: فقال الفتى الذي معي: ماتوا، فقال المجنون: آه آه، إن ماتوا فسوف أموت، وسقط ميتاً، فما برحْتُ حتى غسل وكفن وصليت عليه ودفنْتُه.

البحتري ينشد المتوكل

ووردتُ سر من رأى، فأدخلت على المتوكل وقد عمل فيه الشراب، فسئلت عن بعض ما وردتُ له؛ فأجبت، وبين يدي المتوكل البحتريُ الشاعر، فابتدأ ينشده قصيدة يمدح بها المتوكل، وفي المجلس أبو العنبس الصيمري، فأنشد البحتري قصيدته التي أولها:

عن أي ثغر تبتسم؟ ... وبأي طرف تحتكم؟

حسن يضيء بحسنه ... والحسن أشبه بالكرم

قل للخليفة جعفر المتوكل ابن المعتصم

المرتَضَى ابن المجتبى ... والمنعم ابن المنتقم

أما الرعية فَهْي من ... أمَنَاتِ عدلك في حَرَمْ

ياباني المجد الذي ... قد كان قوض فانهدمْ

اسْلمْ لدين محمد ... فإذا سلمت فقد سلم

نلنا الهدى بعد العمى ... بك، والغنى بعد العَدَمْ

فلما انتهى إلى ذلك مشى القهقرى للانصراف، فوثب أبو العنبس فقال: يا أمير المؤمنين، تأمر برده، فقد واللّه عارضته في قصيدته هذه، فأمر برده، فأخذ أبو العنبس ينشد شيئاً لولا أن في تركه بَتْراً للخبر لما ذكرناه، وهو:

من أي سَلْح تلتقم ... وبأي كف تلتطم

أدخلت رأس البحتر ... يِّ أبي عُبَادة في الرَّحِمْ

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account