FluentPlex

Meadows of Gold

الوقائع الحاسمة

Original text Public domain

Read with the dictionary

ولما وضع رأس الأمين بين يدي طاهر قال: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاءُ، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعزمن تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، أنك على كل شيء قدير وَحُمِل الرأس إلى خراسان إلى المأمون في منديل والقطنُ عليه والأطْلِيَةُ، فاسترجع المأمون وبكى واشتد تأسفه عليه، فقال له الفضل بن سهل: الحمد لله يا أمير المؤمنين على هذه النعمة الجليلة، فإن محمداً كان يتمنى أن يراك بحيث رأيته، فأمر المأمون بنصب الرأس في صَحْنِ الدار على خشبة، وأعطى الجند، وأمر كل من قبض رزقه أن يلعنه، فكان الرجل يقبض ويلعن الرأس، فقبض بعض العجم عَطَاءه، فقيل له: العن هذا الرأس، فقال: لعن اللّه هذا ولعن والديه وما ولدا وأدخلهم في كذا وكذا من أمهاتهم، فقيل له: لعنت أمير المؤمنين، وذلك بحبث يسمعه المأمون منه فتبَسَّمَ وتغافل، وأمر بحَطِّ الرأس، وترك ذلك المخلوع، وطيب الرأس وجعله في سَفَطٍ، وردهُ إلى العراق فدفن مع جثته، ورحم اللّه أهل بغداد وخلصهم مما كانوا فيه من الحصار والجزع والقتل، ورثاه الشعراء، وقالت زبيمة أم جعفر والدته:

أودى بإلفك من لم يترك الناسا ... فامنح فؤادك عن مقتولك الياسا

لًمّا رأيتُ المنايا قد قَصَدْنَ له ... أصَبْنَ منه سواد القلب وَالراسا

فبتُ متكئاً أرْعَى النُّجُومَ لَه ... إخَال سنته في الليل قِرْطَاسَا

والموت دان له، وَالهَم قارنه ... حتى سَقَاه التي أودت بها الكَاسَا

رزئته حين بَاهَيْتُ الرِّجَال به ... وقد بنيت به للدهرأساسا

فليس مَنْ مات مَردوداً لنا أبداً ... حتى يَرُدَّ علينا قبله نَاسَا

ورَثَتْهُ زوجته لُبَابة ابنة علي بن المهدي، ولم يكن دخل بها، فقالت:

أبكيك لا للنعم وَالأنس ... بل للمعالي والسيف والترس

أبكي على سيد فُجِعْتُ به ... أرْمَلَنِي قبل ليلة العرس

يا مالكاً بالعَرَاءِ مُطَّرَحا ... خانته أشْرَاطه مع الحرس

ولما قتل محمد دخل إلى زبيدة بعضُ خدمها، فقال لها: ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين محمد،! فقالت: وَيْلَك!! وما أصنع؟ فقال: تخرجين فتطلبين بثأره كما خرجَتْ عائشة تطلب بدم عثمان، فقالت: أخسأ لا أم لك، ما للنساء وطلب الثِّأْر ومنازلة الأبطال؟ ثم أمرت بثيابها فسودت، ولبست مسحاً من شَعَرٍ، ودعت بدواة وقرطاس، وكتبت إلى المأمون:

لخير إمام قام من خيرعُنْصُر ... وَأفضل رَاق فوق أعواد منبر

ووارث علم الأولين وفخرهم ... وللملك المأمون من أم جعفر

كَتَبْتُ وعيني تستهلُّ دموعُهَا ... إليك ابن عمي من جُفُوني ومحجري

أصِبْتُ بأدنى الناس منك قرابة ... وَمَنْ زال عن كبدي فقَلَّ تَصبرِي

أتى طاهر، لا طهَرَ الله طاهراً، ... وما طاهر في فعله بمُطهَر

فأبرزني مكشوفة الوجه حاسراً ... وأنهبَ أموالي وَآخربَ أدؤري

يعزُّعَلَى هارون ما قد لَقِيتُهُ ... وما نالذي من ناقص الخلق أعور

فإن كان ما أسْدَى لأمر أمرته ... صبرتُ لأمرمن قديرمقدَر

فلما قرأ المأمون شعرها بكى ثم قال: اللهم إني أقول كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه لما بلغه قتلُ عثمان: والله ما قتلت، ولا أمرت، ولا رضيت اللهم جلَلْ قلب طاهرحزنَاً! قال المسعودي: وللمخلوع أخبار وسير غير ما ذكرنا قد أتينا عليها في كتابينا في أخبار الزمان وفي الكتاب الأوسط، فأغنى ذلك عن ذكرها في هذا الكتاب، والله - سبحانه - ولي التوفيق.

/ذكر خلافة المأمون

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account