وذهب إلى هذا القول جماعة من الأعراب، ففي ذلك يقول جميل ابن عبد اللهّ بن مَعْمَر العُذْرِي في بُثَيْنة:
تَعَلّقَ روحي رُوحَهَا قبل خَلْقنا ... وَمِنْ قبل ماكُنا نطَافاً، وفي المهد
فزاد كما زِدْنَا، فأصبح ناميا ... وليس وإن مُتْنَا بمنتقض العهد
ولكنه بَاقٍ على كلَ حالة ... وزائرنا في ظلمة القَبْرِ واللحد
وقال جالينوس: المحبة تقم بين العاقلين لتشاكلهما فى العقل، ولا تقع بين الأحمقين وإن كانا شكلين في الحمق، لأن العقل يجري على ترتيبِ، فيجوز أن يتفق فيه إثنان على طريق واحدة، والحمق لا يجري على ترَتيبٍ، ولا يجوز أن يتفق فيه إثنان.
وَقَسَّمَ بعض العرب الهوى فقال:
ثلأثة أحباب، فحبٌّ عَلأقَةٌوَحُبٌّ تِمِلاق، وَحُبٌّ هو القَتْل
وقال الصوفية من البغداديين: إن اللّه عز وجل إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، ليشق عليهم سخطه، وَيَسُرَّهم رضاه. فيسبتدل بذلك على قدر طاعة اللّه، إذ كان لا مثل له، ولا نظير وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئاً بالمنِّ عليهم فإذا أوجبوا على أنفسهم طاعة سواه، كان تعالى أحْرَى أن يتبع رضاه.
وللباطنية المتصوفة في هذا كلام كثير وخطب طويل.
وقال أفلاطون: ما أدري ما الهوى، غير إنه جنون إلهي، والهوى لا محمود ولا مذموم.
وكتب بعض ظًرَفاء الكُتَّاب إلى أخ له: إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الإنقياد إليك بغير زمام لأن النفس يتبع بعضها بعضاً.
وللناس ممن خلف وسلف من الفلاسفة والفلكيين والإسلاميين وغيرهم كلام كثير في العشق، وقد أتينا على ذلك في كتابنا أخبار الزمان ومن أباده الحدثان، من الامم الماضية والأجيال الخالية، والممالك الداثرة وإنما خرجنا مما كُنَّا فيه أنفاً من أخبار البرامكة عند ذكرنا العشق، فتغلغل بنا الكلام إلى إيراد لُمَع مما قيل في ذلك.
فلنرجع الآن إلى ما كنا فيه من أخبارهم، واتسَاق أيامهم، وانتظامها لهم بالسعود، ثم انعكاسها إلى النحوس.
الرشيد يزوج اخته العباسة لجعفر البرمكي