FluentPlex

Meadows of Gold

الفضل بن يحيى يتشاغل بالصيد فيزجره أبوه بأمر الرشيد

Original text Public domain

Read with the dictionary

قال الرياشي: قال الأصمعي: دخلت علىِ الرشيد وهو ينظر في كتاب ودموعُه تنحدر على خَدَّيْه، فظللت قائماً حتى سكن، وحان منه التفاتة فقال: أجلس يا أصمعي، أرأيت ما كان؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أما واللّه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ورمى بقرطاس فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخط جليل، وهو:

هل أنت مُعتبرٌ بمن خَلِيَت ... منه غَدَاةَ مضى دساكره

وبمن أذلَّ الموت مصرعه ... فتبرأت منه عشائره

وبمن خَلَتْ منه أسِرتُه ... وبمن خلت منه منابره

أين الملوك وأين غيرهُم؟ ... صاروا مصيراً أنت صائره

يا مُؤثر الدنيا بلذته ... والمستعد لمن يفاخره

نَلْ ما بدا لك إن تنال من الدنيا فإن الموت آخره

ثم قال الرشيد: كأني واللّه أخاطَبُ بذلك دون الناس فلم يلبث بعد إلا يسيراً حتى مات.

قال المسعودي: قد ذكرنا جملاً وجوامع من أخبار الرشيد فيما سلف من كتبنا، وفي هذا الكتاب، ولم نذكر فيما سلف من أخبار الرشيد في هذا الكتاب شيئاً من أخبار البرامكة، فلنذكر الأن جملاً من أخبارهم في باب نفرعه له، نذكر فيه السعود من أيامهم والنحوس، وإن كنا قد أتينا على سائر أخبارهم والزُهْر من أيامهم فيما سلف من كتبنا واللّه ولي التوفيق.

ذكر جمل من أخبار البرامكة

وما كان منهم في أيامهم

أسماهم خالد بن برمك

لم يبلغ مبلغ خالد بن برمك أحد من ولده في جودة رأيه وبأسه وجميع خلاله، لا يحيى في رأيه ووفور عقله ولا الفضل في جوده وبراعته ولا جعفر بن يحيى في كتابته وفصاحته، ولا محمد بن يحيى في سروه وبعد همته، ولا موسى بن يحيى في شجاعته وبأسه، وفيمن ذكرنا يقول أبو الغول الشاعر:

أولاد يحيى بن خالد وهُم ... أربعة سيد ومتبوع

الخير فيهم إذا سألت بهم ... مُفَرقٌ فيهمُ ومجموع

سبب نكبتهم

ولما أفْضَتِ الخلافة إلى الرشيد استوزر البرامكة، فاحتازوا الأموال دونه حتى كان يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه، وكان إيقاعه بهم في سنة سبع وثمانين ومائة، واختلف في سبب ذلك: فقيل احتياز الأموال، وأنهم أطلقوا رجلاً من آل أبي طالب كان في أيديهم، وقيل غير ذلك، واللهّ أعلم.

الفضل بن يحيى يتشاغل بالصيد فيزجره أبوه بأمر الرشيد

ويحكى أنه ورد على الرشيد يوماً كتاب صاحب إلي يد بخراسإن، ويحيى بن خالد بين يديه، يذكر فيه إن الفضل بن يحيى تشاغَلَ بالصيد وادمان اللذات عن النظر في أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به ليحيى، وقال له: يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه كتاباً يَرْدَعُه عن مثل هذا، فمدَّ يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى الفضل على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك اللّه يا بني، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزيَنُ بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلا به، والسلام، وكتب في أسفله هذه الأبيات:

أنصَبْ نهاراً في طِلاب العلا ... واصبرعلى فقد لقاء الحبيب

حتى إذا الليل بدا مُقْبِلاً ... واستترت فيه وجوه العيوب

فبادِرِ الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب

كم من فَتًى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمرعجيب

ألقَى عليه الليلُ أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب

ولذة الأحمق مكشوفَة ... يسعى بها كل عدو رقيب

والرشيد ينظر إلى ما يكتب يحيى فلما فرغ قال له: أبلغت يا أبت، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهاراً إلى أن إنصرف عن عمله قال إسجاق بن إبراهيم الموصلي: كنت عند الرشيد يوماً، وأحضر البرامكة الشراب، وأحضر يحيى بن خالد جارية فغنت:

أرِقْتُ حتى كأني أعشق الأرَقَا ... وذُبْتُ حتى كان السقم لي خُلِقَا

وفاض دمعي على قلبي فأغرقه ... يا من رأى غرقاً في الماء محترقا

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account