Meadows of Gold

الحجاج يلتمس محدثا مؤنسا

Original text Public domain

Read with the dictionary

وحدث حماد الراوية أن الحجاج سهر ليلة بالكوفة، فقال لحرسي: ائتني بمحدِّثٍ من المسجد، فاعترض رجلاً جسيماً عظيماً، فقال له: أجب الأمير، فانطلق به حتى أدخله إليه، فلم يسلم ولا نطق حتى قال له الحجاج: إيه ما عندك. فلم يتكلم، فقال للحرسي، أخرجه اللّه نفسك، أمرتك أن تأتيني بمحدث فأتيتني بمرعوب قد ذهب فؤاده، فخرج الحجاج ومعه صرة دراهم إلى المسجد، فجعل يناول الناس فيأخذونها، حتى انتهى إلى شيخ، فأعطاه فَنَبَذَها، فأعادها الحجاج فردَّها، ففعل ذلك الحجاج ثلاثَاَ، فدنا منه الحجاج وقال: أنا الحجاج فأخذها، ودخل القصر، وقال للحرمي: ألحقني به، فدخل فسلم بلسان ذلق وقلب شديد، فقال له الحجاج: ممن الرجل؟ فقال: من بني شيبان، قال: ما اسمك. قال سميرة بن الجعد، قال: يا سميرة، هل قرأت القرآن؟ قال: جمعته في صدري فإن عملت به فقد حفظته وإن لم أعمل به ضيعته، قال: فهل يفرض؟ قال: إني لأفرض الصُّلْب وأعرف الاختلاف في الجد، قال: فهل تبصر الفقه؟ قال: إني لأبصر ما أقوم به أهلي وأرشد ذا العمى من قومي، قال: فهل تعرف النجوم؟ قال: إني لأعرف منازل القمر، وما أهتدي به في السفر، قال: فهل تروي الشعر؟ قال: إني لأروي المثل والشاهد، قال: المثل قد عرفناه فما الشاهد. قال: اليوم يكون للعرب من أيامها عليه شاهد من الشعر، فإني أروي ذلك الشاهد، فاتخذه الحجاج سميراً، فلم يك يطلب شيئاً من الحديث إلا وجد عنده منه علماً، وكان يرى رأي الخوارج وكان من أصحاب قَطَريَ بن الفُجَاءة التميمي، والفجاءة أمةً، وكانت من بني شيبان، وإنما هو رجل من تميم، وكان قَطَرِي يومئذ يحارب المهلب، فبلغ قطريا مكان سميرة من الحجاج، فكتب إليه بأبيات منها:

لشتَّان ما بين ابن جعد وبيننا ... إذا نحن رُحْنَا في الحديد المظاهر

نجاهد فُرْسَانَ المهلّب كلنا ... صَبُورٌ على وقع السيوف البَواتر

وراح يجر الخَزَّ عند أميره ... أميرٌ بتقوى ربه غيرُآمر

أبا الجعد، أين العلم والحلم والنهى ... وميراث آباء كرام العناصِرِ؟

ألم تر أن الموت لا شك نازل ... ولا بدمن بعث الألى في المقابر؟

حفاةً عراةً والثواب لربهم ... فمن بين ذي ربح وآخر خاسر

فإن الذي قد نِلْتَ يَفْنَى، وإنما ... حياتك في الدنيا كوقعة طائر

فَرَاجِع أبا جعد ولاتك مُفْضِياً ... على ظلمة أعشَتْ جميع النواظر

وتُبْ توْبةً تهدي إليك شهادة ... فإنك ذوذنب ولست بكافر

وسِرْ نحونا تَلْقَ الجهاد غنيمة ... تُفدْكَ ابتياعاً رابحاً غير خاسر

هي الغاية القُصوى الرغيب ثوابها ... إذا نال في الدنيا الغِنَى كل تاجر

فلما قرأ كتابه بكى وركب فرسه وأخذ سلاحه، ولحق بقَطَرِي، وطلبهُ الحجاج فلم يقدر عليه، ولم يشعر الحجاج إلا وكتاب قد بدر منه شعر قطري الذي كان كتب به إليه وفي أسفل الكتاب إلى الحجاج أبيات، منها:

فمن مُبْلغ الحجاج أن سميرة ... قلا كلً دين غير دين الخوارج

رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه ... ملاعين تَراكين قَصْدَ المخارج

فأقْبَلْتُ نحو الله باللَّه واثقاً ... وما كُرْبِتِي غير الإِله بفارج

إلى عصبة، أما النهار فإنهم ... هم الأسد أسد الغيل عند التهايج

وأما إذا ما الليل جَنَّ فإنهم ... قيام كأنواع النساء النواشج

يُنَادون للتحكيم، تاللَّه إنهم ... رَأوْا حكم عَمروٍ كالرياح الهوائج

وَحُكْم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا ... بحبلٍ شديدِ المتن ليس بناهج

فطرح الحجاج هذا الكتاب إلى عنبسة بن سعيد، فقال: هذا ا سميرنا الشيباني، وهو من الخوارج، ولا نعلم به.

ولأبي الجعد سميرة بن الجعد سمير الحجاج هذا أشعار كثيرة، منها قوله من أبيات:

عجبت لحالات البلاء وللدهر ... وللْحَيْن يأتي المرء من حَيْث لايدري

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account