ودخل عليه رجل من أصحابه فقال: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: أصبحت ضعيفاً مُذنباً، أكل رزقي، وأنتظر أجلي، قال: وما تقول في الدنيا؟ قال: وما أقول في دار أولها فم، وآخرها موت، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، حَلالُها حساب، ومراحها عقاب، قال: فأي الخلق أنعم؟ قال: أجساد تحت التراب، قد أمنت من العقاب، وهي تنتظر الثواب.
وصف علي عند معاوية
ودخل ضرار بن ضمرة - وكان من خواصِّ علي - على معاوية وافداً، فقال له: صف لي علياً، قال: أعْفِيِنِي يا أمير المؤمنين، قال معاوية: لا بد من ذلك، فقال: أما إذا كان لا بد من ذلك فإنه كان واللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فَصْلا، ويحكم عدلاً، يتفجرً العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يعجبه من الطعام ما خشن، ومن اللباس ما قصر.
وكان والله يجيبنا إذا دعوناه، ويعطينا إذا سألناه، وكنا واللّه - على تقريبه لنا وقربه منا - لا نكلمه هيبة له، ولا نبتدئه لعظمه في نفوسنا، يَبْسِم عن ثغر كاللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويرحم المساكين، ويطعم في المَسْغَبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، يكسو العُرَيَان، وينصر اللهفَان، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، وكأني به وقد أرْخَى الليل سُدُولَه، وغارت نجومه، وهو في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُري غيري، إلى تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهات هيهات!! لا حان حينك، قد أبنتك ثلاثاً لارَجْعة لي فيك، عمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلَّة الزاد وبعد السفر ووَحْشَة الطريق.
من كل أمه
فقال له معاوية: زدني شيئاً من كل أمه ، فقال ضرار: كان يقول: أعجب ما في الإِنسان قلبه، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سَنَحَ له الرجاء أمَا لَهُ الطمع، وإن مال به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه القنوط قتله الأسف، وإن عَرَضَ له الغضب أشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف فضحه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة فضحه الفقر، وإن أجهده الجوع أقعده الضعف، وإن أفرط به الشبع كَظَّته البِطْنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
فقال له معاوية: زدني كلما وعيته من كل أمه ، قال: هيهات أن أتى على جميع ما سمعته منه، ثم قال: سمعته يوصي كميل بن زياد ذات يوم فقال له: يا كميل ذُب عن المؤمن فإن ظهره حِمى الله، ونفسه كريمة على اللّه، وظالمه خصم اللّه، وأحذركم من ليس له ناصر إلا الله.
قال: وسمعته يقول ذات يوم: إن هذه الدنيا إذا أقبلت على قوم أعارتهم محاسن غيرهم، وإذا أدبرت عنهم سَلَبتهم محاسن أنفسهم.
قال: وسمعته يقول: بَطَر الغنى يمنع من عز الصبر.
قال: وسمعته يقول: ينبغي للمؤمن أن يكون نظره عبرة، وسكوته فكرة، وكل أمه حكمة.
وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - بعد أن قتل جعفر بن أي طالب الطيار بُمؤتة من أرضىِ الشام - لا يبعث بعلي في وجه من الوجوه إلا يقول: " رب لاَ تذَرْنِي فرداَ، وأنت خير الوارثين " .
وحمل علي يوم أحد على كردوس من المشركين خشن فكشفهم، فقال جبريل: يا محمد، إن هذه لهي المواساة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا جبريل إن عليّاً مني " ، قال جبريل: وأنا منكم، كذلك ذكره إسحاق عن ابن إسرائيل وغيره.
ووقف عَلَى عَلِيٍّ سائل، فقال للحسن: قل أمك تدفع إليه درهماً، فقال: إنما عندنا ستة دراهم للدقيق، فقال علي: لا يكون المؤمن مؤمنَاَ حتى يكون بما في يد الله أوْثَقَ منه بما في يده، ثم أمر للسائل بالستة الدراهم كلها، فما برح علي رضي اللّه عنه حتى مر به رجل يقود بعيراً؛ فاشتراه منه بمائة وأربعين درهماً، وأنسأ أجَلَة ثمانية أيام، فلم يحلَّ أجله حتى مر به رجل والبعير معقول فقال: بكم هذا؟ فقال: بمائتي درهم، فقال: قد أخذته، فوزَنَ له الثمن، فدفع علي منه مائة وأربعين درهما للذي ابتاعه منه، ودخل بالستين الباقية على فاطمة عليها السلام، فسألته: من أين هي؟ فقال: هذه تصديقٌ لما جاء به أبوك صلى الله عليه وسلم: " مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " .