أعينيَّ جُودَا بدمع سَرِبْ ... على فتية من خيار العرب
وما ضرهم غير حنّ النفوس ... بأي امرئ من قريش غَلَب
بعد التحكيم
ولما وقع التحكيم تباغض القوم جميعاً وأقْبَلَ بعضهم يتبرأ من بعض: يتبرأ الأخ من أخيه، والابن من أبيه، وأمر عليٌّ بالرحيل، لعلمه باختلاف الكلمة، وتفاوت الرأي، وعدم النظام لأمورهم، وما لحقه من الخلاف منهم، وكثر التحكيم في جيش أهل العراق، وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف، وتسابوا، ولام كل فريق منهم الأخر في رأيه، وسار علي يؤم الكوفة، ولحق معاوية بدمشق من أرض الشام، وفَرَّقَ عساكره فلحق كل جند منهم ببلده.
ولما دخل عليّ رضي اللّه عنه الكوفة انحاز عنه اثنا عشر ألفاً من القراء وغيرهم فلحقوا بحَرَوْرَاءَ - قريةِ من قرى الكوفة - وجعلوا عليهم شبيب بن ربعي التميمي، وعلى صَلاَتهم عبد اللّه بن الكَوَّاء اليشكري من بكر بن وائل، فخرج عليّ إليهم وكانت له معهم مناظرات، فدخلوا جميعاً الكوفة، وإنما سموا الحرورية لاجتماعهم في هذه القرية، وانحيازهم إليها.
وقد ذكر يحيى بن معين قال: حدثنا وهب بن جابر بن حازم، عن الصَّلْتِ بن بهرام، قال: لما قدم عليّ الكوفة جعلت الحرورية تناديه وهو على المنبر: جزعت من البلية، ورضيت بالقضية، وقبلت الدنية، لا حكم إلا اللّه، فيقول: حُكْمَ اللّه أنتظر فيكم، فيقولون: " ولقد أوحِيَ إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " فيقول علي: " فاصبر إن وعد اللّه حق، ولا يستخلفنك الذين لا يوقنون " .
التقاء الحكمين