وذا الكَلاَع قبله ... ومعبدا إذ أقْدَمَا
إن تقتلوا منا أبا اليقظان شيخا مُسْلمما
فقد قتلنا منكُم ... سبعين رأسا مجرما
أضْحَوْا بصفين وقد ... لاقوا نكالا مؤلما
خدعة رفع المصاحف
وكان الأشتر في هذا اليوم - وهو يوم الجمعة - على ميمنة علي، وقد أشرف على الفتح، ونادت مشيخة أهل الشام: يا معشر العرب اللّه اللهّ في الحرمات والنساء والبنات، وقال معاوية: هلم مخبآك يا ابن العاص فقد هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو: أيها الناس، مَنْ كان معه مصحف فليرفعه على رُمْحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجة ونادوا: كتاب اللهّ بيننا وبينكم، مَنْ لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومَنْ لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفار ورفح في عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف، وفي ذلك يقول النجاشي بن الحارث: -
فأصبح أهل الشام قد رفعوا الْقَنَا ... عليها كتاب اللّه خير قُرَان
نادوا علياً: يا ابن عمّ محمد ... أما تتقي أن يَهْلِكَ الثقلان؟
ِ ؛ فلما رأى كثير من أهل العراق ذلك قالوا: نجيب إلى كتاب اللّه ونُنِيب إليه، وأحَبَّ القوم الموادعة، وقيل لعلي: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب اللهّ فاقبل منه، وكان أشدهم في ذلك اليوم الأشعث بن قيس، فقال علي: أيها الناس، إنه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب، وقد واللّه أخذت منكم وتركت، وإني كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وقد أحببتم البقاء، فقال اللأشتر: إن معاوية لا خَلَفَ له من رجاله، ولك بحمد اللهّ الخلف، ولو كان له مثل رجالك لما كان له مثل صبرك ولا نصرك، فاقرع الحديد بالحديد واستعن باللّه، وتكلَّم رؤساء أصحاب عليّ بنحو من كلام الأشتر، فقال الأشعث بن قيس: أنا ذلك اليوم على ما كنَّا عليه أمس، ولسنا ندرى ما يكون غداً، وقد واللّه فُلَّ الحديد، وكَفَت البصائر، وتكلم معه غيره بكلام كثير، فقال علي: ويحكم إنهم ما رفعوها لأنكم تعلمونها ولا يعلمون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومَكِيدة، فقالوا له: إنه ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب اللّه فانأ بي أن نقبله، فقال: ويحكم إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم الكتاب، فقد عَصَوُا اللّه فيما أمرهم به، ونبذوا كتابه، فامْضوا على حقكم وقصدكم، وخذوا في قتال عدوكم،فإن معاوية وابن العاص وابن أبي مُعَيْط وحبيِب بن مسلمة وابن النابغة وعدداً غير هؤلاء ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وأنا أعْرَفُ بهم منكم؛ صحبتهم أطفالا ًو رجالاً، فهم شر أطفال و رجال، وجرى له مع القوم خطب طويل قد أتينا ببعضه، وتهددوه أن يُصْنَع به ما صنع بعثمان، وقال الأشعث: إن شئت أتَيْتُ معاوية فسألته ما يريد، قال: ذلك إليك فآتِهِ إن شئت، فأتاه الأشعث فسأله، فقال له معاوية: نرجعِ نحن وأنتم إلى كتاب الله، وإلى ما أمر به في كتابه: تبعثون منكم رجلاَ ترضونه وتختارونه، ونبعث برجل، ونأخذ عليهما العهد والميثاق أن يعملا بما في كتاب الله ولا يخرجا عنه، وننقاد جميعأ إلى ما اتفقا عليه من حكم الله، فصَؤَبَ الأشعث قوله، وانصرف إلى علي، فأخبره ذلك، فقال أكثر الناس: رضينا وقبلنا وسمعنا وأطعنا، فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وقال الأشعث ومن ارتد بعد ذلك إلى رأي الخؤارج: رضينا نحن بأبي موسى الأشعري، فقال على: قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى الأشعري، فقال الأشعث ومن معه: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، قال: ويحكم! هو ليس بثقة: قد فارقني وخَذَل الناس مني وفعل كذا وكذا، وذكر أشياء فعلها أبو موسى، ثم إنه هرب شهوراً حتى أمنته، لكن هذا عبد الله بن عباس أوَلٌيه ذلك، فقال الأشعث وأصحابه: والله لا يحكم فينا مُضَريان، قال عليّ: فالأشتر، قالوا: وهل هاج هذا الأمر إلا الأشتر، قال: فاصنعوا الآن ما أردتم، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه، فبعثوا إلى أبي موسى وكتبوا له القصة، وقيل لأبي موسى: إن الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد الله، قيل: وقد جعلوك حكماً، قال: أنا لله لانا إليه راجعون.
ذكر الحكمين وبدء التحكيم