الله عن جمعهم لاشك كان عَفَا ... أتَتْ بذلك آيات وآثار
من ينزع اللّه غلا من صدورهم ... على الأسرة لم تمسسهم النار
قال النبي له تقتلك شرذمة ... سيطت لحومهمُ بالبغي، فُجَّار
فاليوم يعرف أهل الشام أنهم ... أصحاب تلك وفيها النار والعار
ولما صرع عمار تقدم سعيد بن قيس الهمداني في همدان، وتقدم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في الأنصار وربيعه، وعدي بن حاتم في طيى وسعيد بن قيس الهمداني في أول الناس، فخلطوا الجمع بالجمع، واشتدَّ القتال وحطمت همدان أهل الشام حتى قذفتهم إلى معاوية، وقد كان معاوية صَمَدَ فيمن كان معه لسيعيد بن قيس ومن معه من همدان، وأمر عليّ الأشتر أن يتقدم باللواء إلى أهل حمص وغيرهم من أهل قنسرين، فأكثر القتل في أهل حمص وقنسرين بمن معه من القراء، وأبْلى المِرْقَال يومئذ بمن معه فلا يقوم له شيء، وجعل يرقل كما يرقل الفحل في قيده، وعليُّ وراءه يقول له: يا أعور، لا تكن جباناً، تقدم، والمِرْقَال يقول:
قد أكثر القومُ وما أقَلّاَ ... أعور يبغي أهله محل
ا قد عالج الحياة حتى مَلّا ... لا بدَ أنْ يَفُلَّ أوْ يُفَلّا
أشُلُّهُمْ بذي الكعوب شَلا
ثم صمد هاشم بن عتبة المِرْقال لذي الكَلاَع وهو في حمير، فحمل عليه صاحب لواء ذي الكَلاع، وكان رجلا من عُذْرَة وهو يقول:
أثبت فإني لست من فَرعِيْ مضر ... نحن اليمانيون ما فينا ضجر
كيف ترى وقع غلام من عذر ... ينعى ابن عفان ويَلْحى من غدر
يا أعور العين رمى فيها العور ... سيان عندي من سعى ومن أمر
مصرع هاشم المرقال
فاختلفا طعنتين، فطعنه هاشم المرقال فقتله، وقتل بعده تسعة عشر رجلا، وحمل هاشم المرقال وحمل ذو الكلاع ومع المرقال جماعة من أسلم قد ألوا أن لا يرجعوا أو يفتحوا أو يقتلوا، فاجتلد الناس، فقتل هاشم المرقال، وقتل ذو الكلاع جميعاً، فتناول ابن المرقال اللواء حين قبل أبوه في وسط المعركة وكر في الْعَجَاج وهو يقول:
يا هاشم بن عتبة بن مالِك ... أعْزِز ْبشيخ من قريش هالك
خبطه الخيلاتُ بالسنابك ... أبْشِرْ بحور العين في الأرائك
والرّوْح والزيحان عند ذلك
ووقف علي رضي اللّه عنه عند مصرع المِرْقَال ومَنْ صرع حوله من الإسلاميين وغيرهم، فدعا لهم وترحَّمَ عليهم، وقال من أبيات:
جزى اللّه خيراً عصبة أسلمية ... صباح الوجوه صُرِّعُوا حول هاشم
يزيد وعبد اللّه بشر بن معبد ... وسفيان وابنا هاشم ذي المكأرم
وعروة لا ينفَدْ ثناه وذكره ... إذا اخْتُرطت يوماً خفاف الصوأرم
حذيفة بن اليمان، وابناه
واستشهد في ذلك اليوم صفوان وسعد ابنا حذيفة بن اليمان، وقد كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي فقال: أخرجوني وادعوا الصلاة جامعةً فوضع على المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على النبي وعلى اله، ثم قَال: أيها الناس، إن الناس قد بايعوا عليّاً فعليكم بتقوى اللّه وانصروا عليّاً ووازروه؛ فواللّه إنه لعلى الحق أخرا وأولاً، وإنه لخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال: اللهم أشهد، إني قد بايعت عليّاً، وقال: الحمد للهّ الذي أبقاني إلى هذا اليوم، وقال لا بنيه صفوان وسعد، احملاني وكونا معه، فستكون له حروب كثيرة فيهلك فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنه واللّه عَلَى الحق، ومن خالفه عَلَىِ البَاطل، ومَات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام، وقيل: بأربعين يوماَ واستشهد عبد اللّه بن الحارث النخعي أخو الأشتر واستشهد فيه عبد اللّه وعبد الرحمن ابنا بَدِيل بن ورقاء الخزاعي في خلق من خزاعة، وكان عبد اللّه في ميسرة عَليّ وهو يرتجز و يقول:
م يبق إلى الصبر و التوكل ... وأخذك الترس وسيف مصقلْ
ثم التمشيَ في الرعيل الأولْ
فقتل ثم قتل عبد الرحمن أخوه بعده، فيمن ذكرنا من خزاعة.