وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى قال: لما قدم عمرو بن معد يكرب من الكوفة على عمر سأله عن سعد بن أبي وَقَّاص، فقال فيه ما قال من الثناء، ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما علم، ثم سأله عن قومه، فقال له: أخبرني عن قومك مَذْحِج ودع طيئاً قال: سلني عن أيهم شئت، قال: أخبرني عن علة بن جلد، قال: هم فرسان أغراضنا، وشُفَاة أمراضنا، وهم أعتقنا، وأنجبنا، وأسرعنا طلباً، وأقلنا هرباً، وهم أهل السلاح والسماِح والرماح، قال عمر: فما أبقيت لسعد العشيرة؟ قال: هم أعظمنا خميساَ، وأسخانا نفوساً، وخير نارنا رئيساً، قال: فما أبقيت لمراد؟ قال: هم أوسعنا داراً، وخيرنا جاراً، وأبعدنا آثاراً، وهم الأتقياء البررة، والساعون الفَخَرة، قال: فأخبرني عن بني زَبِيد، قال: أنا عليهم ضنين، ولو سألت الناس عنهم لقالوا هم الرأس والناس الأذناب، قال: فأخبرني عن طيء، قال: خصوا بالجود، وهم جمرة العرب، قال: فما تقول في عبس؟ قال: حجم عظيم، وزبن أثير، قال: أخبرني عن حِمْيَر، قال: رَعَوُا العفو، وشربوا الصَّفْوَ، قال: فأخبرني عن كِنْدَةَ، قال: ساسوا العباد، وتمكنوا من البلاد. قال: فأخبرني عن هَمْدَان. قال: أبناء الليل، وأهل النيل، يمنعون الجار، ويوفون النِّمَار ويطلبون الثار قال: فأخبرني عن الأزد. قال: هم أقدمنا ميلاداً. وأوسعنا بلاداً، قال: فأخبرني عن الحارث بن كعب، قال: هم الحسكة المسكة، تلقى المنايا أطراف رماحهم. قال: فأخبرني عن لخم. قال: أخرنا مُلْكاً، وأولنا هلكاً، قال: فأخبرني عن جُذَام. قال: أولئك كالعجوز الغبراء، وهم أهل مقال وفعال، قال: فأخبرني عن غسان. قال: أرباب في الجاهلية نجوم في الإِسلام، قال: فأخبرني عن الأوس والخزرج. قال هم الأنصار وهم أعزنا داراً، وأمنعنا ذماراً، وقد كفانا الله مدحهم إذا يقول: " والذين تبوؤا الدار والأيمان " الآية - قال: فأخبرني عن خُزَاعة. قال: أولئك مع كنانة لنا نسبهم، وبهم نصرنا. قال: فأي العرب أبغض من مَذْحِج، وأما من سعد فعدي من فَزَارة، ومرة من ذبيان، وكلاب من عامر، وشيبان من بكر بن وائل. ثم لوجُلْتُ بفرسي على مياه معد ما خفت هيج أحد ما لم يَلْقَنِي حُراها وعَبْداها. قال: ومن حُرَّاها وَمَنْ عبداها؟ قال: أما حراهأ فعامر بن الطفَيل وعُيَيْنة بن الحارث بن شهاب التميمي، وأما عبداها فعنترة العبسي وسُلَيك المقانب.
ويسأله عن الحرب
ثم سأله عن الحرب فقال: سألت عنها خبيراً، هي واللّه يا أمير المؤمنين مرة المذاق، إذا شَمًرت عن ساق، من صبر فيها ظفر، ومن ضعف فيها هلك، ولقد أحسن واصفها فأجاد:
الحرب أولَ ماتكون فتية ... تبدو بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشَبَّ ضِرَ أمه ا ... عادت عجوزاً غير ذات حليل
شمطاء جُزَّتْ رأسها وتنكرت ... مكروهة للثم والتقبيل
ثم سأله عن السلاح، فأخبره بما عرف حتى بلغ السيف، قال: هنالك قارعتك أمك عن ثكلها، فعَلاه عمر الدرة، وقال: بل أمك قارعتك عن ثكفها، والله إني لأهم أن أقطع لسانك، فقال عمرو: الحُمَّى أضرعتني لك اليوم، وخرج من عنده وهو يقول:
أتوعدني كأنك ذو رُعَيْن ... بأنعم عيشة أو ذونُوَاس
فكم قد كان قبلك من مليك ... عظيم ظاهرم الجبروت قاس
فأصبح أهله بادوا، وأمسى ... ينقَّلُ من أناس في أناس
فل ايغررك ملكك، كلُّ ملك ... يصير مذلة بعد الشِّمَاسَ
قال: فاعتذر عمر إليه، وقال: ما فعلت ما فعلته إلا لتعلم أن الإِسلام أفضل وأعز من الجاهلية، وفضله على الوفد.
عمرو يحدث عمر عن فراره ذات مرة