وقد حرر ذلك في كتابه أبو حنيفة الدِّينَوَرِيّ، وقد سلب ذلك ابَن قتيبة ونقله إلى كتبه نقلاً، وجعله عن نفسه، وقد فعل ذلك في كثير من كتب أبي حنيفة الدينوري. هذا، وكان أبو حنيفة هذا ذا محل من العلم كبير، ولبطليموس في كتاب المجسطي، وغيره ممن تقدم،، ثم لمن طرأ بعد ظهور الإسلام - مثل الكندي، وابن المنجم، وأحمد بن الطيب - ، وما شاء الله، وأبى معشر، والخوارزمي، ومحمد بن كثير الفرغاني، فيما ذكره في كتابه الفصول الثلاثين، وثابت بن قرًة، والتبريزي، ومحمد د بن جابر البتانِي، وغير هؤلاء ممن قد عنى بعلوم الهيئة - علوم كثيرة في هذا المعنى، وإنما ننقل من ذلك إلى هذا الكتاب لمعاً، طلباً للاختصار والإيجاز، وباللّه التوفيق.
ذكر أرباع العالم والطبائع
وما خص به كل جزء منه من الشرق والغرب والتيمن والجنوبي والأهوية، وغير ذلك من سلطان الكواكب وما لحق بهذا الباب واتصل بهذا المعنى
الطبائع الأربع
قال المسعودي: فأما الطبائع الأربعة: الأرض، فالنار حارة يابسة وهي الطبيعة الأولى والطبيعة الثانية: باردة رطبة، وهي الماء، والطبيعة الثالثة: الهواء، وهو حار رطب، والطبيعة الرابعة: وهي باردة يابسة؛فاثنتان منها تذهبان الصًعَدَاء: وهما: النار، والهواء، واثنتان ترسخان سُفْلا، وهما: الأرض، والماء والعالم أربعة أجزاء؛ فالمشرق الربع الأول، وجميع ما فيه حار رطب مثل الهواء والدم، وهذا الربع ريحه الجنوب، وله من الساعات الأولى والثانية والثالثة، وله من قوى البدن قوة الطبيعة الهاضمة، ومن المذاقات إلى حلاوة، وله من الكواكب: القمر، والزهرة، وله من البروج: الحمل، والثور، والجوزاء. وللحكماء في هذا خطب طويل في وصف هذه الأرباع منها جُمَل فيما مضى وما يأتي. والمغرب: وهو الربع الثاني، وجميع ما فيه بارد رطب مثل الماء والبلغم، والشتاء، ورياحه: الدَّبُورُ، وله من الساعات العاشرة والحادية عشرة و الثانية عشرة، وله من المذاقات: المالح، وما شابه ذلك، وله من القوى: القوة الدافعة، وله من الكواكب: المشتري، وعُطَارد، ومن البروج: الجدي، والدلو، والحوت. والجزء الثالث: التيمن، وجميع ما فيه حار يابس مثل المَرّة الصفراء.وريحه، الضبا، وله من الساعات الرابعة والخامسة والسادسة من النهار. وله من قوى البدن القوة النفسانية والحيوانية، وله من المذاقات: المرارة، وله من الكواكب: المريخ، والشمس، ومن البروج: السرطان، والسنبلة، والميزان، والجزء الرابع هو الجنوبي، وجميع ما فيه بارد يابس، مثل الأرض والمرة السوداء، والخريف وريحه الشمال وله من الساعات: السابعة والثامنة والتاسعة، وله من قوى البدن القوة الماسكة، ومن الطعوم والمذاقات: العَفْصُ، وله من الكواكب: زُحَل، وله من البروج: الميزان، والعقرب، والقوس، والأرض بعد ما وصفناه تتهايأ في الهيئة وتختلف في التأثير على مقادير. الخطوط، فإذا بعد الخط كان التأثير بخلاف ما هو إذا قرب؛لموجبات متنافية متغايرة، وأفضل المواضع من المسكون ما تطرح الشمس ضوء شعاعها إليه، وإلى الإِقليم الرابع ينتهي عند هذه الطائفة شعاعها في صفوة وارتفاع كحره؛لأن شعاع للشمس يهبط متساوياً إلى هذا الموضع وهو العراق.
علة عدم سكنى بعض الأرض
قال المسعودي: والمواضع التي لا تسكن عند هذه الطائفة عدمت السكنى لعلتين: إحداهما إفراط الحر وإحراق الشمس وكثرة تواتر شعاعها على تلك الأرضين حتى قد جعلتها كِلْسِية وأغاضت مياهها لكثرة التنشيف، والعلة الأخرى بُعْدُ الشمس عن الإقليم، وارتفاعها عن حوزته، فاكتنف تلك الأرضين البرد، واستولى عليها القر والجمَدُ، فزاد إفراط البرد في الجو حتى أزال حسن الاعتدال ورفع فضيلة النشف، فلم تلبث الحرارة في الأجسامٍ، ولم تظهر الرطوبة في إنماء الحيوان هنالك،فصارت تلك البلد قاعا صفصفا من الحيوان والنبات، وهذه البلدان التي تراها مفرطة الحرارة والبرودة هي تناسب ما ذكرنا من هذه الديار البلاقع.