قالوا: وهذا الخبر قد ذكره أصحاب السير والأخبار والمغازي، ونقلوا هذا المديح من قول العباس، وما كان من سرور النبي صلى الله عليه وسلم بذلك واستبشاره به فجعلت هذه الطائفة من الغُلاة ما ذكرنا من الشعرين - شعر عبد المطلب، وشعر - العباس - دلالة لهم على مواطن ادعوها، وتغلغلوا إلى شبه بعيدة استخرجوها، يمنع منها ما تقدم من أوائل العقول، وموجبات الفحص، ذكرَ ذلك جماعة من مصنفي كتبهم، ومن حذاق مبرزيهم، من فرق المحمدية والعلبانية، وغيرهم من فرق الغلاة: منهم إسحإق بن محمد النخعي المعروف بالأحمر في كتابه المعروف بكتاب الصراط، وقد ذكر ذلك الفياض بن علي بن محمد بن الفياض في كتابه المعروف بالقسطاس في نقضة لكتاب الصَراط وذكره المعروف بالنهكني في نقضه هذا الكتاب المترجم بالصراط، وهؤلاء محمدية نقضوا هذا الكتاب، وهو على مذهب العلبانية، وقد أتينا على ذكر هؤلاء المحمدية والعلبانية والمغيرية والقمرية وسائر فرق الغُلاَة وأصحاب التذويض والوسائط، واستقصينا النقض عليهم وعلى سائر من ذهب إلى القول بتناسخ الأرواح في أنواع أشلاء الحيوان ممن ادعى الإسلام وغيرهم ممن سلف من اليونانيين والهند والثنوية والمجوس واليهود والنصارى، وذكرنا قول أحمد بن حائط وابن يافوس جعفر القاضي، إلى مَنْ نجمَ في وقتنا ممن تقدم وتأخر إلى هذا الوقت - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة - ممن أحدث قولاً تفريعاً على ما سلف من أصولهم وأبور شبهاً أيَّدَ بها ما تقدم من مذاهبهم، مثل الحسين بن منصور المعروف بالحلاج، وأصحاب أبي يعقوب المزايلي، ثم أصحاب السم ومن تأخر عنه وفارقهم في أصولهم، مثل أبي جعفر محمد بن على الشلمغاني المعروف بابن أبي الغرائر وغيرهم ممن أمَّم نهجهم، وذكر الفرق بينهم وبين غيرهم من أصحاب الدور في هذا الوقت ممن يراء وقت الظهور، وأصحاب حجج الليل والنهارث إذ كان هؤلاء قد أثبتوا القول بالتناسخ، وأن الأرواح تنتقل في شيء من الأجسام الحيوانية، وأحالوا على القديم عز وجل أن يجوز عليه شيء مما تقدم، فلنرجع الآن إلى ما كنا ا آنفاً، وما تغلغل بنا الكرم عنه من ذكرعبد المطلب.
الاختلاف في إيمان عبد المطلب
تنازع الناس في عبد المطلب: فمنهم من رأى أنه كان مؤمناً موحداً وأنه لم يشرك باللّه عزّوجلّ، ولا أحد من آباء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نقلفيالأصلاب الطاهرة، وأنه أخبر أنه ولد من نكاح لا من سفاح، ومنهم،رأى أن عبد المطلب كان مشركاً، وغيره من آباء النبي صلى الله عليه وسلم ألا من صح إيمانه، وهذا موضع فيه تنازع بين الإمامية والمعتزلة والخوارج والمرجئة وغيرهم من الفرق في النص والاختيار، وليس كتابنا هذا موسوماً للحِجَاج فنذكرحجاج كل فريق منهم.
وقد أتينا على قول كل فريق منهم وما أيد به قوله في كتابنا المقالات في أصول الديانات وفي كتاب الاستبصار ووصف أقاويل الناس في الإم أمه وفي كتاب الصفوة أيضاً.
أبو طالب
وكان عبد المطلب يوصي ولده بصلة الأرحامٍ، وإطعام الطعام، ويرغبهم ويرهبهم فعل من يراعي في المتعف معادا وبعثاً ونشوراً، وجعل السقاية والرفاعة إلى ابنه عبد مناف - وهو أبو طالب - وأوصاه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تنوزع في اسم أبي طالب: فمنهم من رأى أن اسمه عبد مناف، على ما وصفنا، ومنهم من رأس أن كنيته اسمه، وأن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كتب في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وكتب علي بن أبي طالب بإسقاط الألف وقد ذكر عبد المطلب في شعر له وصية أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
أوصيت مَنْ كنيته بطالب ... بابن الذي قد غاب ليس بآئب
اختلاط الألسنة
وقد كان أكثر العرب ممن بقي ودثَرَيقر بالصانع، ويستدل على الخالق.