الضيافة أن يحسن إليهم ويكرم مَثْوَأهم وإلطافهم بأفضل ما يقدر عليه أمر وصيفاً له من بعض خدمه ظريفاً أديباً، فقال له: أنظر كل كلمة تخرج من أفواهم فأتِنِي بها، فلما نزلوا بيت الضيافة أتاهم القَهْرَمَانُ بقرص من شهد فأكلوا وقالوا: ما رأينا شهداً أعذب ولا أحسن ولا أشد حلاوة منه، فقال إياد: صدقتم لولا أن نحله ألقاهُ في هامة جبار، فوعاها الغلام، فلما حضر غداؤهم وجيء بالشواء فإذا بشاة مَشْوِية فأكلوها وقالوا: ما رأينا شواء أجود شَئا ولا أرخص لحماً ولا أسمن منه، فقال إنمار: صدقتم لولا أنه غنِي بلبن كلبة. ثم جاءهم بالشراب فلما شربوا قالوا: ما رأينا خمراً أرق ولا أعنب ولا أصفى ولا أطيب رائحة منه، فقال ربيعه: صدقتم لولا أن كرمها نَبَتَ على قبر. ثم قالوا: مارأينا منزلاً أكرم قرى ولا أخصب رَحْلا من هذا الملك. قال مضر: صدقتم لولا أنه لغير أبيه. فذهب الغلام إلى الأفعى فأخبره بما كان منهم، فدخل الأفعى على أمه ، فقال: أقسمت عليك إلا ما أخبرتني من أنا ومن أبي، فقالت: يا بني، وما دعاك إلى هذا؟ أنت ابن الأفعى الملك الأكبر، قال: حقاً لتصدقني، فلما ألحّ عليها قالت: يا بني إن أباك الأفعى الذي تُدْعَى له شيخاً قد أثقل، فخشيت أن يخرج هذا الملك عنا أهل البيت، وقد كان قدم إلينا شاباً من أبناء الملوك، فدعوته إلى نفسي، فعلقْتُ بك منه، ثم بعث إلى القهرمان، فقال: أخبرني عن الشهد الذي بعثت به إلى هؤلاء النفر ما خطبه؟ قال: أنا أخبرنا بدَيْر في طف. فبعثت إليه من يَشُورُه،، فأخبروني أنهم هجموا على عظام نخرة منكرة في ذلك الطف، فإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأتوا بعسل لم أرمثله فقدمته إلي القوم لجودته، ثم بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي شَويتها لهؤلاء القوم؟ قال: أنى بعثت إلى الراعي أن ابعث إلي بأحسن شاة عندك، فبعثَ بها إلي، وما سألته عنها، فبعث إلى الراعي أن أعلمني خبر هذه الشاة، قال: إنها أول ما ولدت من غنمي عام أول، فماتت أمه ا، فبقيت، وكانت كلبة لي قد وضعت فأنست السَّخْلة بِجِرَاء الكلبة، فكانت ترضع من الكلبة مع جِرَائها، فلم أجد في غنمي مثلها، فبعثت بها إِليك، ثم بعث إلى صاحب الشراب، فقال: ما هذا الخمر الذي سقيت لهؤلاء القوم. قال: من حبة كَرْم نبتت غرستها على قبر أبيك، فليس في العرب مثل شرابها، فقال الأفعى: ما هؤلاء القوم؟ إنْ هُم إلا شياطين، ثم أحضرهم فقال: ما خطبكم؟ قُصُّوا علي قصّتكم، فقال إياد: الله أبي جعل لي خادمة شمطاء وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك غنماً بَرْشاء فهي لك ورعاؤها مع الخادم قال أنمار: إن أبي جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبهها من ماله، قال: ذلك ما ترك أبوك من الرقَةِ والحرث والأرض، فقال ربيعه: إن أبي جعل لي فرساً أدهم وبيتأ أسود وما أشبهها من ماله، قال: فإن أباك ترك خيلا دُهْماً وسلاحاً فهي لك وما فيها من عبيد، فسمي ربيعه الفرس، فقال مضر: إن أبي جعل لي قبة حمراء من أدم وما أشبهها من ماله، فقال: إن أباك ترك إبلأ حمراء فهي لك وما أشبهها من ماله، فصارت لمضر الإِبل والقبة الحمراء، والذهب، فسمي مضر الحمراء، وكانوا على ذلك مع أخوالهم جرهم بمكة فأصابتهم سنة أهلكت الشاء وعامة الإِبل، وبقيت الخيل، وكان ربيعه يغزو عليها ويَصِلُ أخوته، وذهب ما كان لأنمار من شاء في تلك السنين، ثم عاود الناس الخصب والغيث، فرجعت الإِبل وثابت إليها أنفسها ومشت، فتناسلت وكثرت وقام مضر بأمر أخوته، فبينما هم كذلك وقد قدم الرعاءُ بابلهم فتعشوا ليلاً وعشوا رعاءهم فقام مضر يوصي الرعاء وفي يد أنمار عظم يتعًرقهُ فرمى به في ظلمة الليل وهو لا يبصر فأوتد في عين مضر وفقأه فتأوه مضر وصاح: عيني، عيني، وتشاغل به أخوته، فركب أنمار بعيراً من كرائم إبله، فلحق بديار اليمن، وكان بين أخوته ما ذكرنا من التنازع.
فهؤلاء ولد نزار الأربعة: إليهم يرجع سائر ولد نزار على حسب ما قدَمنا أن مضر الحمراء لما ذكرنا من أمر القبة، وبذلك تفتخر مضرة كل أمه ا من المنثور والمنظوم، وربيعه الفرس وربيعه القشعم من الفروسية والشجاعة والنجدة والعز وشن الغارات لما ذكرنا من أمر الفَرَس، وإياد و ذكرنا ما لحق عقبه، وأنمار وقد بينا الخلاف في تفرع نسله، وما قاله النسابون في عقبه.