وَهْرِزُ الديلميئُ لمَّا رآهُ ... رابط الجأش ثابت الأركان
وحوينَا بلاد قحطان قسراً ... ثم سرنا إلى فرى غُمْدَان
فنعمنا فيه بكل سرور و ... مَنَنَّاعلى بني قحطان
وفي ذلك يقول البحتري يمدح أبناء العجم، ويذكر فضل الفرس على أسلافه لأنه من قطحان:
فكم لكم من يَدٍ يزكو الثناء بها ... ونعمة ذكْرُهَا باقٍ على الزمن
إن تفعلوها فليست بِكْرَ أنعمكم ... ولا يد كأياديكم على اليمن
أيام جَلىَّ أنو شروان جدكم ... غيابة الذل عن سيف بن ذي يزن
إذ لا تزال خيول الفرس دافعة ... بالضرب والطعن عن صَنْعَا وعن عَدَن
أنتم بنو المنعم المجميع وخن بنو ... من فاز منكم بفضل الطّوْل والمنَنِ
وفود العرب تهنئ معد يكرب
قال المسعودي: وأتت معد يكرب الوفود من العرب تهنيه بعَوْدِ الملك إليه وأشراف العرب وزعماؤها، وفيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وخويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وأبو زَمْعَة جَدُّ أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي، وقيل: أبو الصلت أبوه، فدخلوا إليه وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء المعروف بغُمْدَان وهو مُضَمَّخ بالعنبر، وسواد المسك يلوح على مَفْرِقه، بين يديه، وعلى يمينه وشماله الملوك وأبناء الملوك وأبناء المَقَاول.
عبد المطلب يهنى الملك
فتكلمت الخطباء، ونطقت الزعماء، وقد تقدمهم عبد المطلب بن هاشم فقال عبد المطلب: إن اللّه جل جلاله قد أحلك - أيها الملك - مَحَلا رفيعاً، صعباً منيعاً، شامخاً، وأنبتك مَنْبتاً طابت أرومته، وعزت جُرْثُومته، وثبت أصله وَبَسَق فرعه، في أَكرم معدن، وأطيب موضع وموطن، فأنت - أبيت اللعن - رأس العرب ورَبيعها الذي تُخْصِب به، وأنت - أيها الملك - ذروة العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومَعْقلها الذي تلتجئ إليه العباد، سَلَفُكَ خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يخمل ذكر من أنت سلفه، ولن يهلك من أنت خلفه، أيها الملك، نحن أهل " حرم الله، وسَدَنَة بيته، أشْخَصَنَا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فَدَحَنَا، ونحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة فقال له الملك: وأيهم أنت أيها المتكلم. قال: أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فقال الملك معدي كرب بن سيف: ابْنُ أختنا؟؛ قال: نعم، قال: أدْنُوه مني، فادني، " ثم أقبل عليه وعلى الوفد، فقال لهم: مرحبأ وأهلا، ونأقة ورَحَلاً، ومَستناخا سهلاً، وملكأ رِبَحْلاً، يعطي عطاء جزلاً، قد سمع مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم.
أبو زمعة يهنئه
ثم قام أبو زَمْعَة جد أمية بن أبي الصلت الثقفي، فأنشأ يقول:
ليطلُب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... في لجة البحر أحوالا وأحوال
حتئ أتنى ببني الأحرار يحملهم ... تخالهم في سواد الليل أجبال
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن رأيت لهم في الناس أمثال
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهمُ في الأرض فلاّلا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقَاَ ... في رأس غُمْدَان داراً منك محلالاً
ثم اطْلُ بالمسك إذ شالت نعامتهم ... وأسْبِل اليوم في بُرْدَيْكَ إسبال
تلك المكأرم لاقَعْبَانِ من لبن ... شِيبَا بماء فعادا بعد أبوالا
ولمعد يكرب بن سيف بن ذي يزن كلام كثير مع عبد المطلب وكوائن أخبره بها في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وبَدْء ظهور، وحَبَا جميع الوفد، وانصرفوا، وقد أتينا على ما كان من أخبارهم في كتابنا أخبار الزمان فأغنى عن إعادته ووصفه.
مقتل معد يكرب