ولما قُبض إسماعيل قام بالبيت بعده نابت بن إسماعيل، ثم قام من بعده أناس من جُرْهم، لغلبة جرهم على ولد إسماعيل، وكان ملك جُرْهم يومئذ الحارث بن مُضَاض، وهو أول من ولي البيت، وكان ينزل هناك في الموضع المعروف بقُعَيْقعَان في هذا الوقت، وكان كل من دخل مكة بتجارة عَشَّرَها عليه وذلك في أعلى مكة، وملك العماليق السَّمَيْدَع بن هو بن لاوى بن قبطور بن كركر بن حيد وكان ينزل أجيادا من أسفل مكة، وكان يُعَشَرُ من دخل مكة من ناحيته، وكانت بينهم حروب، فخرج الحارث بن مُضَاض ملك جرهم تتقعقع معه الرماح والدرق، فسمى الموضع بقعيقعان لما ذكرنا، وخرج السميدع ملك العماليق ومعه الجياد من الخيل فعرف الموضع بأجياد إلى هذا الوقت، فكانت على الجرهميين وافتضحوا، فسمى الموضع فاضحاً إلى هذا الوقت، ثم اصطلحوا ونجروا الجُزُرَ وطبخوا فسمي الموضع بطابخ إلى الآن، وصارت ولاية البيت إلى العماليق، ثم كانت لجرهم عليهم، وأقاموا ولاة البيت نحو ثلثمائة سنة، وكان آخر ملوكهم الحارث بن مُضَاض الأصغر بن عمرو بن الحارث بن مُضَاض الأكبر، وزاعوا فيِ بناء البيت، ورفعته على ما كان عليه من بناء إبراهيم عليه السلام، وبغتْ جرهم في الحرام وطَغَتْ، حتى فسق رجل منهم في الحرم بامرأة، وكان الرجل يدعى بإساف والمرأة نائلة، فمسخهما اللّه عز وجل حجرين صُيِّرا بعد ذلك وثنين وعُبِدَا تقربا بهما إلى الله تعالى، وقيل: بل هما حجران نحتا ومُثِّلا بمن ذكرنا وسميا بأسمائهما، فبعث اللّه على جرهم الرُّعَاف والنمل وغير ذلك من الآفات فهلك كثير منهم، وكثر ولد إسماعيل وصاروا ذوي قوة ومَنَعَة فَغَلَبوا على أخوالهم جرهم وأخرجوهم من مكة، فلحقوا بجُهينة، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم، وكان الموضع يعرف بإضم، وقد ذكر ذلك أمية بن أبي الصَّلت الثققي في شعر له فقال:
وجرهم دمنوا تهامة في الد ... هر فسالت بجمعهم إضَم
وفي ذلك يقول الحارث بن مُضَاض الأصغر الجرهمي:
كأنْ لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها، فأبادَنَا ... صروف الليالي والجدود العوائر
وكنا لإسماعيل صهراً ووصلة ... ولمَّا تَدُرْ فيها علينا الدوائرِ
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
فَبَدَّلَنَا ربي بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر
وفيما ذكرنا من أخبارهم يقول عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي:
وكنا ولاة البيت والقاطِن َالذي ... إليه يؤدي نذرَهُ كل محرم
سكنَّا بها قبل الظباء وراثة ... لها عن بني هَيْني بن نبتّ بن جُرْهُم
وفي ذلك يقول:
كهفنا جرهم، وأية كهفٍ ... وولاة لبيته والحجاب
فَسَقُوا في الحرام بعدد تقَاهم ... واستعاضوا العقاب بعد الثواب
ثم صارت ولاية البيت في ولد أياد بن نزار بن معد، وكانت حروب كثيرة بين مضر وأياد، وكانت لمضر على إياد، فانجلوا عن مكة إلى العراق.
وسنورد بعد هذا جملاً من أخبار مكة وولد نزار وخُزاعة وغيرهم.
رواية أخرى في الولاة بمكة
قال المسعودي: وقد أتينا على جمل من الأخبار في هذا الباب من أخبار جرهم وغيرها، ووجدت في وجه آخر من الروايات أن أول من ملك من ملوك جرهم بمكة مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان مائة سنة، ثم ملك بعمده ابنه عمرو بن مضاض مائة وعشرين سنة، ثم ملك بعد الحارث بن عمرو مائتي سنة، وقيل دون. ذلك، ثم ملك بعده عمرو بن الحارث مائتي سنة وقيل دون ذلك ثم ملك مضاض بن عمرو الأصغر بن الحارث بن عمرو بن مضاض بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هيني بن نبت بن جرهم بن قحطان أربعين سنة. وانقرضت العرب العاربة من عاد وثمود وعبيد وطسم وجديس والعماليق ووبار وجرهم، ولم يبق من العرب إلا من كان من عدنان وقحطان، ودخل من بقي ممن ذكرنا من العرب البائدة في عدد قحطان وعدنان، فانمحت أنسابهم وزالت آثارهم.
العماليق