وقد كانت ملوك اليونانيين ومن تلاهم من ملوك الروم تعظم شأن هذا الجوهر، وتفضله على غيره من سائر الجواهر؛ لما اجتمع فيه من الخواص العجيبة، والمنافع الكثيرة، ولخفته في الوزن دون سائر الجواهر المعدنية. وأكثر ما يوجد من هذه الأنواع الأربعة العروق في الأرض، وهو المتَنافس فيه، إذا سلم من الاعوجاج والثقب، واستقام سلكه، واستطال ما استدار، وأدناه ما ينحل في معدنه من التراب ويلتقط من الطين، وقد يوجد على ظهر الأرض في هذا المعدن في وهاده وجباله وما انخفض وارتفع من أرضه نوعان منه وهما المغربي والأصم المقدم ذكرهما.
وقد يحمل من أرض الهند من بلاد سندان، ونحو كنباية من مملكة البلهر اصاحب المانغير المقدم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب نوع من الزمرد يلحق بما وصفناه من النور والخضرة والشعاع، إلا أنه حجر صلب مما وصفنا، وأثقل مما ذكرنا، ولا يفرِّق بين هذا النوم المحمول من أرض الهند وبين الأنواع الأربعة المقدم ذكرها، إلا ذو دراية فطن أو ماهر فيه، وهذا النوع الهندي يعرفه أصحاب الجوهر بالملكيَ، لأنه يحمل من أرض الهند إلى بلاد عدن وغيرها من سواحل اليمن، ويؤتى به مكَة، فاشتهر بهذا الاسم لما وصفنا، وبان بهذا النعت بعض ذكرنا.
وقد أتينا على مبسوط أخبار الجواهر الشفافة وغيرها ووصف معادنها على الشرح والإيضاح في كتبنا أخبار الزمان ووجت جماعة بصعيد مصر،من ذوي الدراية - ممن اتصلت معرفته بهذا المعدن، وعرف هذا النوع من الجوهر الذي هو الزمرد - يخبرون أن هذأ الزمرد يكثر ويقل في فصول من السنة، وفي قوة من مواد الهواء، وهبوب نوع من الرياح الأربع، وتقوى الخضرة فيه والشعاع النوري في أوائل الشهر و الزيادة في نور القمر، وكذلك وجدت في أخبار من عني بمعرفة أكثرّ المعادن من الجوهرية وغيرها،أن الكبريت الأبيض والأصفر وغيرها من أنواع الكبريت يكثر في معدنه في السنة التي يكثر برقها، وتشتد صواعقها، على حسب ما أخبرنا به فيما سلف من هذا الكتاب عن الكفور في بلاد منصورة، من أرض الهند أنه يكثر في السنة التي تكثر فيها الصواعق و الرعود وألبرق، و لأ أن المكَثار كحاطب ليل، والإيجاز لمحة دالة، وحيٌ صرح عن ضمير، والبلاغة إيضاح بإيجاز لأسهبت في هذا الباب.
قوص ولْفط من بلاد مصر
وبين هذا الموضع المعروف بالخربة الذي فيه معدن هذأ النوع من الجوهر، وهو الزمرد، وبين ما اتصل به من العمارة وقرب منه من الديار، مسيرة سبعة أيام وهي قفط وقوص وغيرهما من صعيد مصر، وقوص راكبة للنيل، وبين النيل وقفط نحو من ميلين، ولمدينتي قفط وقوص أخبار عجيبة في أيام عمرانهما وما كان في أيام الأقباط من أخبارهما إلا أن مدينة قفط في هذا الوقت متداعية للخراب، وقوص أعمر، والناس فيها أكثر.
وَبَوَادي البجة المالكة لهذا المعدن تتصل ديارها بالعلاقي، وهي معدن الذهب على حسب ما قدمنا في هذا الباب، وبين العلاقي والنيل خمس عشرة مرحلة، وماء أهل العلاقي ما انْهَلَّ من السماء، ولهم ماء من عين يسيل في وسط العلاقي، وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان، ومنها يسمّى العلاقي، والنوبة متصلة بتجارتها وقوافلها بمدينة أسوان، وأهل أسوان مختلطون بالنوبة.
الواحات