FluentPlex

Meadows of Gold

عناية المنصور بالفيلة

Original text Public domain

Read with the dictionary

ذاك الذي مشفره طويل ... وهو من الأفيال زندبيل

وقال آخر:

وفيلُهُ كالطود زندبيل

وقد ذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الحيوان هذه القصيدة، وفسر بعض أبياتها، وذكر في معنى الخنشبيل وتفسيره قول الأنصاري في صفة النحل:

تبيض العشاء بأذنابها ... وفى مدر الأرض عنها فضول

ويشبعها المص مص الثرى ... إذا عاجت الشاة والخنشبيل

قال: وهذا غير قوله:

قد علمت جارية عُطْبًول ... أني بنصل الصيف خَنْشَبِيل

والفيلة لا تنتج ولا تتوالد إلا بأرض الزنج والهند، ولا تعظم أنيابها بأرض السند والهند على حسب ما تعظم بأرض الزنج، والزنج تتخذ من جلود الفيلة الدَوق وكذلك الهند، ولا يلحق ذلك في المنعة شيء من الدرق الصيني والتبتي، واللمطي والبجاوي، ولا ما نقع في اللبن وغير ذلك من أنواع الدرق.

وخرطومه أنفه، وبه يوصَلُ الطعام والشراب إلى جَوْفه، وهو شيء بين إلغضروف واللحم والعصب، وبه يقاتل ويضرب، ومنه يصيح، وليس صوت الفيل على مقدار عظم جسمه وكبر خلقه.

عناية المنصور بالفيلة

وقد كان المنصور عُني بجمع الفيلة لتعظيم الملوك السالفة إياها واقتنائها لها، وإعدادها للحروب والزينة في الأعياد وغيرها؛ فإنها أوطأ مراكب الملوك و أمه دُها، وأخبرني بعض الكتاب ممن يرجع إلى أدب وعقل ومعرفة بأيام الناس بمدينة السلام، أنه اشترى بغلة في غاية الفَرَاهة والحسن، فكان يركبها في مهماته وتصرفاته، وكانت إذا رأت الجمال البُخْت أو العراب من العَمَّالة أو غيرها في الطريق نفرت وَشَبَّتْ، وكان يلقي منها جهدأ جهيدأ فيصبر على ذلك المكروه، لما هي علية من الفراهة والحسن، وأنه لا يحمله غيرها لعظم جسمه وكبر بطنه وسمنه قال: فلما كان في بعض الأيام اجتزت باب الطاق - وذلك في أيام المقتدر، وقد أخرج الفيلة للرياضة والتمهيد وليحمل عليها الليث بن علي الصفار وأصحابه، وقد كان مؤنس المظفر الخادم أسره ببلاد فارس حين خرج على السلطان - قال: فأشرفت على قطار من الجمال البُخْتِ منهزمة خائفة من الفيل، تجمز في مشيتها، لاسبيل لمن عليها أن يحبسها لما قد لحقها من الجزع، فلما رأت البغلة ذلك شَئت وَوَلت على عقبها، وَرمت بي الأرض فوقعت كجلد ثور منفوخ، ودخلت الجمال إلى درب لا ينفد، وقد كانت البغلة حين رمت بي ونفرت من الجمال دخلت ذلك الدرب، وجاءت الفيلة على أثر ذلك، فلما نظرت البغلة إلى الفيلة وعظم خلقها لحقت بالجمال ودخلت بينها كأنها لم تزل معها وتزلزلت كتزلزل الجمال، إذ رآني جماعة من الناس، فرفعوني، ودخل الغلام فأخرج البغلة، وما استطاع إخراجها حتى مضت الفيلة، وأخرجت من وسط بعض الجمال، فواللّه ما نفرت بعد ذلك من جمل، وقد ألفت الجمال حتى كأنها بعضها؛ لاستصغارها صورة الجمل عن ما شاهدت من عظم صورة الفيل.

عود إلى وصف الفيل: وكل حيوان في لسان فأصل لسانه إلى داخل، وطرفه إلى خارج، إلا الفيل؛ فإن طرف لسانه إلى داخل وأصله إلى خارجِ، والهند تزعم أنه لولا أن لسانه مقلوب ثم لقن الكلام لتكلم، والهند تُشرِّفُ الفيل وتفضله على سائر الحيوان، لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة: من علو سمكه، وعظم صورته، وبديع منظره، واتصال صَهْوَته، وطول خرطومه، وسَعَة أذنه، وكبر غرموله، مع خفة وطئه، وطول عمره، وثقل جسمه، وقلة اكتراثه بما وضع على ظهره، وأنه - مع كبر هذا الجسم وعظم هذه الصورة - يمر بالإنسان فلا يحس بوطئه، ولا يشعر به حتى يغشاه لحسن خطوته واستقامة مشيه.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account