ولم يزل ملك الروم مضطرباً إلى أن ملكهم قسطنطين بن اليون، وذلك في خلافة أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور أخيه، ثم ملك بعده اليون بن قسطنطين، وذلك في أيام المهدي والهادي، ثم ملك بعده - قسطنطين بن اليون، وكانت أمه أريش ملكة معه، مشاركة له في الملك، لصغر سنه في أيام هارون الرشيد، فمات قسطنطين بن اليون وسملت عينا أمه بعد ذلك لأخبار يطول ذكرها، ثم ملك على الروم يعفور بن اسدراق، وكانت بينه وبين الرشيد مراسلات، وغزاه الرشيد، فأعطاه القود من نفسه بعد بغي كان منه في بعض مراسلاته، فانصرف الرشيد عنه، ثم غدر ونقض ما كان أعطاه من الانقياد وكُتم عن الرشيد أمره، لعارض علة كان وجدها بالرقة، وفي انقياد يعفور إلى الرشيد وحَمْله الأموال والهدايا والضريبة إليه يقول أبو العتاهية :
إمامَ الهدى أصْبَحْتَ بالدين مَعْناً ... وَأصْبَحْتَ تسقي كل مستمطرٍ رَيا
لك اسمان شُقَا من رشاد ومن هدى ... فأنت الذي تدعي رشيداً ومهديَّا
إذا ما سخطْتَ الشيء كان مُسَخّطاً ... وإن ترض شيئاً كان في الناس مرضيّا
بسطت لنا شرقاً وغرباً يَدَ العلا ... فأوسعت شرقياً وأوسعت غربيّا
وغَشَّيا وجه الأرض بالجود و الندي ... فأصبح وجه الأرض بالجود مغشيا
وأنت، أميرَ المؤمنين، فتى التقى ... نشرت من الِإحسان ما كان مَطْويا
قضى اللّه أن صَفى لهارون ملكه ... وكان قضاء الله في الخلق مَقْضيا
تحببت الدنيا لهارون بالرضا ... وأصبح يعفور لهارون ذميا
فلما عوفي الرشيد من علته دخل عليه بعض الشعراء وقد هابه الناس أن يخبروه بغدْر يعفور، فقال:
نقض الذي أعطاكه يعفور ... فعليه دائرةُ البوار تدُور
أبشر، أمير المؤمنين، فإنه ... فتحٌ أتاك به الِإلهُ كبيرُ
فتْح يزْيد على الفتوح، يَؤُمنَا ... بالنصر فيه لِوَاؤُك المنصور
فلقد تباشَرَتِ الرَعِيَّة أن أتىِ ... بالغدر عنه وافد وَبَشِير
وَرَجَتْ بِيُمْنِكَ أن تُعَجِّل غزوَةَ ... تشفي النفوسَ، نَكَالُهَا مذكور
يعفور، إنك حين تَغْدِرُ أنْ نأى ... عنك الإمام لَجَاهِلٌ مغرور
أظننت حين غدرت أنك مُفلِتٌ ... هَبِلَتْكَ أمك، ما ظننت غُرُور
إن الإمام على اقتسارك قادر ... قَرُبتْ دِيارك أم نأت بك عور
لَيْسَ الِإمام وإن غفلنا غَافلأ ... عما يسوس بحزمه ويدير
ملك تجَرد للجهاد بنفسه ... فعدُؤُهُ أبداً به مقهور
يامن يريد رضا الإله بسعيه ... والله لا يَخْفي عليه ضمير
لانصح ينفع من يَغُشُ إمامه ... والنصح من نصحائِهِ مشكور
نُصْحُ الِإمام على الأنام فريضة ... ولأهله كفارة وظهور
وهي طويلة، فلما أنشده إياها قال الرشيد: أو قد فعَلَ؟ وعلم أن الوزراء قد احتالوا، فتجهز وغزاه، ونزل على هرقلة، وذلك في سنة تسعين ومائة.
الرشيد يحاصر هرقلة