وكانوا من ملوك الطوائف، وكانوا بأرض العراق مما يلي قصر ابن هبيرة وَسَقي الفرات والجامعين وسورا وأحمد آباد والنرس إلى حِنْبَا وتل فحار والفوف وسائر ذلك الصقع، وكانت ملوك العرب من مضر بن نزار بن معد وربيعة بن نزار وأنمار بن نزار، والنصرية من بني نصر من اليمن وغيرهم من قَحْطَان لهم ملوك، وقد نصبت كل طائفة لها ملكاً لعدم ملك يجمع كلمتهم، وذلك أن الإِسكندر أشار عليه مُعَلِّمه وهو وزيره أرسطاطاليس، في بعض رسائله إليه بذاك، وكاتب الإِسكندر ملك كل ناحية، ومَلَّكه على ناحيته، وتؤَجَه وَحَبَاه، فاستبد كل واحد منهم بناحية، فصار ملكه من بعده في عقبه، ممانعاً عما في يده، وطالباً للازدياد من غيره.
وكان ملك الطوائف عند كثير من الناس ممن عُني بأخبار الماضين، ومعرفة سنيهم، خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة، وذلك من ملك الإِسكندر إلى أن ظهر أردشيربن بابك بن ساسان فغلب على ملوك الطوائف، وقتل أردوان الملك بالعراق، ووضع تاج أردوان على رأسه وكان قد قتله في مبارزة على شاطىء دجلة فهذا أول يوم يعدُ منه ملك أردوشير لاستيلائه على سائر ملوك الطوائف، وتمهدت له البلاد، واستقامت دعائمها بملكه، فمن ملوك الطوائف مَنْ قتلَهُ أردشير بن بابك، ومنهم مَنْ انقاد إلى ملكه وأجاب دعوته.وملوك الطوائف بين الفرس الأولى ممن سمينا، وبين الفرس الثانية،وهم الساسانية.
عدة ملوك الطوائف
وقد ذكرأبوعبيدة معمربن المثنى التيمي عن عمركسرى في كتاب له في أخبار الفرس يصف فيه طبقات ملوكهم ممن سلف وخلف،وأخبارهم، وخطبهم وتشعب أنسابهم، ووصف ما بَنَوْه من المدن، وكوروه من الكور، واحتفروه من الأنهار، وأهل البيوتات منهم، وما وسم به كل فريق منهم، من، الشهارجة وغيرهم: أن أول ملك من ملوك الطوائف أشك بن أشك بن أردوان بن أشغان بن آس الجبار بن سياوش بن كيقاوس الملك عشرين سنة، ثم ملك بعد أشك سابور بن أشك الملك ستين سنة.
ظهور المسيح
وفي إحدر وأربعين من مملكته كان ظهور السيد المسيح عليه السلام ببلاد فلسطين بإيليا، ثم ملك جودرز بن أشك بن أردوان بن أشغان عشر سنين، ثم ملك نيزر بن سابور الملك بن أشك الملك إحدى وعشرين سنة، وقيل: إنه في أيامه سار توس بن أسفانيوس ملك رومية إلى إيليا، وذلك بعد ارتفاع المسيح بأربعيِن سنة فقَتَلَ وأسر وسبى وخرب ثم ملك بعد نيزر بن سابور ابنه جودرز بن نيزر تسع عشرة سنة، ثم ملك بعد جودرز نرس بن نيزر أربعين سنة ثم ملك بعده أخوه هرمز بن نيزر عشرين سنة، ثم ملك أردوان بن هرمزبن نيزرخمس عشرة سنة، ثم ملك بعد أردوان ابنه كسرى بن أردوان أربعين سنة، ثم ملك بعد كسرى ابنه بلاس بن كسرى أربعاً وعشَرين سنة، ثم ملك بعد بلاس ابنه أردوان بن بلاس ثلاث عشرة سنة.
قال المسعودي: فهذا وجه آخر غير ما قدمنا ذكره، وقد قيل في تاريخ سني ملوك الطوائف غير ما وصفنا، وإن مدتهم كانت أقل مما وصفنا، والأول أشهر وأضح في مقدار ما ملكوا من السنين، مع تباين التواريخ واختلافها وتضاد ما فيها، غير أن الذي حكيناه ما أخذناه من علماء الفرس، وهم يراعون من تواريخ من سَلَف ما لا يراعيه غيرهم لأن الفرس تدين بما وصفنا قولاً وعملاً، وغيرهم من الناس يقول ذلك قولاً ولا ينقاد إليه عملاً لتباين أهل الشرائع، وقد أتينا فيما سلف من كتبنا على الغرر من أخبار الطوائف وسيرهم وبالله التوفيق.
ذكر أنساب فارس وما قاله الناس في ذلك
اختلاف العلماء في أنسابهم
تنازع الناس في الفرس وأنسابهم: فمنهم من رأى أن فارس ابن ياسوربن سام بن نوح، وكذلك النبط من ولد نبيط بن ياسوربن سام بن نوح، وهذا قول هشام بن محمد فيما حكاه عن أبيه وغيره من علماء العرب ة ففارس ونبيط أخوان وهما ابنا ياسور، ومنهم من زَعَمَ أنه من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم، ومنهم من ذكر أنه من ولد إرم بن إرفخشذ بن سام بن نوح، وأنه ولد له بضعة عشر رجلَاَ كلهم كان فارساً شجاعاً فسموا الفرس بالفروسية، وفي ذلك يقول حطان بن المعلى الفارسي:
وَبِنَا سُمِّيَ الْفوَارِسُ فرْسَا ... ناً، وَمَنّا مَنَاجِبُ الْفرْسَانِ
وَكُهُولٌ طَوَاهُمُ الركْفق وَالكَر ... كَمِثْل الكُرَاتِ يَوْمَ الطِّعَانٍ