وانقطعت يوما عن أصحابي وتحتي حصان أبيض هو أردى خيلي، شده الركابي ولايدري ما يجري، وما معي من السلاح غير سيفي، فحمل علي العرب فلم أجد ما أدفعهم به، ولا ينجيني منهم حصاني، وقد وصلتني رماحهم قلت أثب عن الحصان واخذب سيفي أدفعهم .فجمعت نفسي لأثب فتتعتع الحصان فوقعت على الحجارة وأرض خشنه فانقطعت قطعه من جلدة رأسي ودخت حتى ما بقيت ادري بما انا فيه فوقفت علي منهم قوم وأنا جالس مكشوف الرأس غائب الذهن وسيفي مرمي بجهازه، فضربني واحد منهم ضربتين بالسيف وقال هات الوزن وأنا لا أدري ما يقول، ثم أخذ حصاني وسيفي .ورآني الأتراك فعادوا إلي، ونفذ لي ناصر الدين بن عباس حصاناًوسيفاًوسرت وأنا لاأقدر على عصابة أشد بها جراحي، فسبحان من لا يزول ملكه. وسرنا وما مع أحد منا كف زاد، وإذا أردت أشرب ماء ترجلت، شربت بيدي، وقبل أن أخرج بليلة جلست في بعض دهاليز داري على كرسي وعرضوا علي ستة عشر جمل روايا وما شاء الله سبحانه من القرب والسطائح.وعجزت عن حمل أهلي فردتهم من بلبيس إلى عند الملك الصالح أبي الغارات طلائع ابن زريك رحمه الله فأحسن إليهم وأنزلهم في دار واجرى لهم ما يحتاجونه .ولما أراد العرب الذين يقاتلونا الرجوع عنا جاءونا يطلبون حسبنا إذا عدنا.
عباس يقتله الإفرنج
وسرنا إلى يوم الأحد ثالث وعشرين ربيع الأخر فصبحنا الإفرنج جمعهم على المليح فقتلوا عباساً وابنه حسام الملك وأسروا ابنه ناصر الدين وأخذوا خزانته وحرمه وقتلوا من ظفروا به، وأخذ أخي نجم الدولة أبا عبد الله محمد رحمه الله أسيراً، وعادوا عنا ونحن قد تحصنا عنهم في الجبال .
مخاطر وادي موسى
فسرنا أشد من الموت في بلاد الفرنج بغير بغداد زاد للرجال ولاعلف للخيل إلى أن وصلنا جبال بني فهيد لعنهم الله في وادي موسى، وطلعنا في طرقات ضيقه وعره إلى أرض فسيحة والرجال وشياطين رجيمة من ظفروا به منا منفرد قتلوه.وتلك الناحية لا تخلو من بعض بني ربيعة الأمراء الطائيين، فسألت من ها هنا من الأمراء بني ربيعة؟قالوا منصور بن غدفل وهو صديقي فدفعت لواحد دينارين وقلت أمض إلى المنصور قل له صديقك ابن منقذ يسلم عليك ويقول لك صل إليه بكره، وبتنا في مبيت سوء من خوفهم.
فلما أضاء الصبح اخذوا عدتهم ووقفوا على عين وقالوا ما ندعكم تشربون ماءنا ونهلك ونحن بالعطش.وتلك العين تكفي ربيعة ومضر، وكم في أرضهم مثلها، وإنما قصدهم أن ينشئوا الشر بيننا وبينهم ويأخذونا، ونحن فيما نحن فيه ومنصور بن غدفل وصل، فصاح عليهم وسبهم فتفرقوا.وقال أركب فركبنا ونزلنا في طريق أضيق من الطريق التي طلعت فيها وأوعر.فنزلنا إلى لوطا سالمين، وما كدنا نسلم.فجمعت للأمير منصور ألف دينار مصريه ودفعتها إليه وعاد.
في دمشق
وسرنا حتى وصلنا بلد دمشق بمن سلم من الإفرنج وبني فهيد يوم الجمعة خامس ربيع الآخر من السنة.وكانت السلامة من تلك الطريق من دلائل قدرة الله عز وجل وحسن دفاعه.
قصة السرج