وكنا نصيد ونعود ننزل على بوشمير نهر صغير بالقرب من الحصن وننفذ نحضر صيادي السمك فنرى منهم العجب، فيهم من معه قصبة في رأسها حربة لها جبة مثل الخشوت، ولها في الجبت ثلاثة شعب حديد طول كل جعبة ذراع.وفي رأس القصبة خيط طويل مشدود إلى يده يقف على جرف النهر وهو ضيق المدى ويبصر السمكة فيزرقها في تلك التي فيها الحديد فما يخطئها، ثم يجذبها بذلك الخيط فتطلع والسمكة فيها، وآخر من الصيادين معه عود قدر قبضه فيه شوكة وفي طرفه الأخر خيط مشدود إلى يده، ينزل يسبح في الماء يبصر السمكة يخطفها بتلك الشوكة ويخليها فيها ويطلع ويجذبه بذلك الخيط يطلع الشوكة والسمكة وآخر ينزل ويسبح ويمر يده تحت الشجر في الشطوط من الصفصاف على السمكة حتى يدخل أصابعه في خواشيم السمكة وهي لاتتحرك ولا تنفر ويأخذها ويطلع، فكانت تكون فرجتنا عليهم كفرجتنا على صيد البزاة.
غنائم البازيار وتوالى المطر والهواء علينا أياماً ونحن في حصن الجسر، ثم أمسك المطر لحظة فجاءنا غنائم البازيلر وقال للوالدالبزاة جياع جيدة للصيد.وقد طابت وكف المطر، ما تركب؟قالبلى فركبنا فما كان بأكثر من أن خرجنا إلى الصحراء وتفتحت أبواب السماء بالمطر.فقلنا للغنائمأنت زعمت إنها طابت وصحت حتى اخرجتنا في هذا المطر !قالما كان لكم عيون تبصر الغيم ودلائل المطر؟كنتم قلتم لي تكذب في لحيتك ما هي طيبة ولا صاحية!وكان هذا غنائم صانعاً جيداًفي إصلاح الشواهين والبزاة خبير بالجوارح، ظريف الحديث طيب العشرة، قد رأى من الجوارح ما يعرف وما لا يعرف.خرجنا يوماً إلى الصيد من حصن شيزر فرأينا عند الرحا الجلالي شيئاً وإذا كركي مطروح على الأرض، فنزل غلام قلبه وإذا هو ميت وهو حار ما برد بعد فآه غنائم فقالهذا قد اصطاده اللزيق.فتش تحت جناحه وإذا جانب الكركي مثقوب وقد أكل قلبه.فقالغنائمهذا جارح مثل العوسق يلحق الكركي يلصق تحت جناحه يثقب أضلاعه ويأكل قلبه.
وقضى الله سبحانه وتعالى أنتقل إلى خدمت أتابك زنكي رحمه الله.فجاءه جارح مثل العوسق أحمر المنسر والرجلين جفونه عينيه حمر وهو من أحسن الجوارح فقالواهذا البزيق.مابقي عنده إلا أياماً قلائل وقرض السيور بمنسره وطار.
صيد حمير الوحش
وخرج الوالد رحمه الله إلى صيد الغزلان وأنا معه صغير فوصل وادي القناطر وإذا فيه عبيد حرامية يقطعون الطريق فأخذهم وكتفهم وسلمهم إلى قوم من غلمانه يوصلوهم إلى حبس في شيزر.فأخذت أنا خشت من بعضهم وسرنا في الصيد، وإذا عانة حمير وحش.فقلت للوالديا مولاي ما أبصرت حمير الوحش قبل اليوم، عن أمرك أركض أبصرهم.فقالإفعل.وتحتي فرس شقراء من أجود الخيل، فركضت وفي يدي ذلك الخشت الذي أخذته من الحرامية، فصرت وسط العانة فأخذت منها حماراً وصرت أطعنه بذلك الخشت فلا يعمل فيه شيئاًلضعف يدي وقلة مضاء الحربة.فرددت الحمار حتى ردته إلى أصحابي فأخذوه.فعجب والدي ومن معه من عدوا تلك الفرس.فقضى الله سبحانه أنني خرجت يوماً أتفرج على نهر شيزر وهي تحتي ومعي مقرىء ينشد مرة ويقرأ مرة ويغني مرة، فنزلت تحت الشجرة ودفعت الفرس إلى الغلام فعمل فيها شكلاً. وكان إلى جانب النهر فنقرت فوقعت في النهر على جنبها.وكلما أردت تقوم تعود تقع في الماء لأجل الأشكال.وكان الغلام صغيراًلايقدر على تخليصها.ونحن لا نعلم ولا ندري.فلما قاربت الموت صاح بنا فجئناها وهي في آخر رمقفقطعنا شكالها وأطلعناها فماتت، وما كان الماء يصل إلى عضدها إنما الشكال أهلكها.
يخاف على الباز من الغرق
وخرجيوماً الوالد رحمه الله إلى الصيد وخرج معه أمير يقال له الصمصام من أصحاب فخر الدين الملك بن عمار صاحب طرابلس على سبيل الخدمة وهو رجل قليل المخبرة بالصيد.فأرسل الوالد بازاً على طير الماء فأخذ منها طيراً ووقع في وسط النهر، فجعل الصمصام يدق يداً على يد ويقوللا حول ولا قوة إلى بلاه، كيف كان خروجي في هذا اليوم؟فقلت لهياصمصام تخاف على الباز أن يغرق؟قال نعم قد غرق بطة هوحتى يقع في الماءولا يغرق؟فضحكت وقلتالساعة يطلع.فأخذ الباز رأس الطير وسبح وهو معه حتى طلع به.فبقى الصمصام يتعجب من ذلك ويسبح الله سبحانه ويحمده على سلامة الباز.
لكل حيوان أجله