الغرب الأوسط: وهو شرق بلاد البر، ومن مدنه بلاد الأندلس وسميت بالأندلس لأنها جزيرة مثلثة الشكل رأسها في أقصى المغرب في نهاية المعمورة، وكان أهل السوس وهم أهل المغرب الأقصى يضرون أهل الأندلس في كل وقت ويلقون إليهم الجهد الجهيد إلى أن اجتاز بهم الإسكندر فشكوا إليه حالهم فأحضر المهندسين وحضر إلى الزقاق، وكان له أرض جافة، فأمر المهندسين بوزن سطح الماء من المحيط والبحر الشامي، فوجدوا المحيط يعلو البحر الشامي بشيء يسير، فأمر برفع البلاد التي على ساحل البحر الشامي ونقلها من الحضيض إلى الأعلى، ثم أمر أن تحفر الأرض بين طنجة وبلاد الأندلس فحفرت حتى ظهرت الجبال السفلية وبنى عليها رصيفاً بالحجر والجير بناء محكماً وجعل طوله اثني عشر ميلاً، وهي المسافة التي كانت بين البحرين، وبنى رصيفاً آخر يقابله من ناحية طنجة وجعل بين الرصيفين ستة أميال. فلما أكمل الرصيفين حفر لها من جهة البحر الأعظم وأطلق فم الماء بين الرصيفين ودخل في البحر الشامي. ثم فاض ماؤه فأغرق مدناً كثيرة وأهلك أمماً عظيمة كانت على الشاطئين، وطغى الماء على الرصيفين إحدى عشرة قامة. فأما الرصيف الذي يلي بلاد الأندلس فإنه يظهر في بعض الأوقات إذا نقص الماء ظهوراً بيناً مستقيماً على خط واحد، وأهل الجزيرتين يسمونه القنطرة، وأما الرصيف الذي من جهة طنجة فإن الماء حمله في صدره واحتفر ما خلفه من الأرض اثني عشر ميلاً، وعلى طرفه من جهة الشرق الجزيرة الخضراء، وعلى طرفه من جهة الغرب جزيرة طريف. وتقابل الجزيرة الخضراء في بر العدوة سبتة، وبين سبتة والجزيرة الخضراء عرض البحر.
والأندلس به جزائر عظيمة كالخضراء، وجزيرة قادس، وجزيرة طريف، وكلها عامرة مسكونة آهلة. ومن مدنه إشبيلية وهي مدينة عامرة على ضفة النهر الكبير المعروف بنهر قرطبة، وعليه جسر مربوطة به السفن، وبها أسواق قائمة وتجارات رابحة وأهلها ذوو أموال عظيمة وأكثر متاجرهم في الزيت، وهي تشتمل على كثير من أقاليم الشرق، واقليم الشرق على تل عال من تراب أحمر مسافته أربعون ميلاً في مثلها، يمشي فيها المسافر في ظل الزيتون والتين، ولها على ما ذكر التجار ثمانية آلاف قرية عامرة بالأسواق العامرة والديار الحسنة والفنادق والحمامات.
ومن أقاليم الأندلس اقليم الكنانية ومن مدنه المشهورة قرطبة وهي قاعدة بلاد الأندلس ودار الخلافة الإسلامية، وهي مدينة عظيمة وأهلها أعيان البلاد، وسراة الناس في حسن المآكل والملابس والمراكب وعلو الهمة، وبها أعلام العلماء وسادات الفضلاء وأجلاء الغزاة وأمجاد الحروب؛ وهي في نفسها خمس مدن يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور حصين حاجز، وبكل مدينة منها ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات والصناعات، وطولها ثلاثة أميال في عرض ميل واحد، وهي في سفح جبل مطل عليها يسمى جبل القروش.