جزيرة الطويران: وهي جزيرة خصبة ذات أشجار وثمار وأعين وأنهار، وبها قوم أبدانهم أبدان الآدميين ورؤوسهم كرؤوس السباع والكلاب. وبهذه الجزيرة نهر شديد البياض وعلى شاطئه شجرة عظيمة تظل خمسمائة رجل، فيها من كل ثمرة طيبة مشرقة بأنواع الألوان، وكل ثمرها أحلى من الشهد والعسل، وطعم كل ثمرة لا يشبه طعم الأخرى، وتلك الثمار ألين من الزبد وأذكى رائحة من المسك، ورقها كحلل الحرير والديباج. وهذه الشجرة تسير بسير الشمس ترتفع من الغد إلى الزوال، وتنحط من الزوال إلى الغروب حتى تغيب بغيبة الشمس.
وذكر أن أصحاب ذي القرنين وصلوا إلى هذه الجزيرة ورأوا تلك الشجرة فجمعوا من ثمرها شيئاً كثيراً ومن أوراقها ليحملوا ذلك إلى ذي القرنين فضربوا على ظهورهم بسياط مؤلمة، يحسون بوقع السياط ولا يرونها ولا يدرون من الضارب، ويصيحون بهم ردوا ما أخذتم من هذه الشجرة ولا تتعرضوا لها فردوا ما أخذوا منها وركبوا مراكبهم وسافروا عنها.
وجزيرة العباد: وهي جزيرة عظيمة دخلها ذو القرنين فوجد بها قوماً قد أنحلتهم العبادة حتى صاروا كالحمم السود. فسلم عليهم فردوا عليه السلام. فسألهم: ما عيشكم يا قوم في هذا المكان؟ فقالوا: ما رزقنا الله تعالى من الأسماك وأنواع النباتات، ونشرب من هذه المياه العذبة. فقال لهم: ألا أنقلك إلى عيشة أطيب مما أنت فيه وأخصب ؟ فقالوا له: وما نصنع به ؟ إن عندنا في جزيرتنا هذه ما يغني جميع العالم ويكفيهم لو صاروا إليه وأقبلوا عليه. قال: وما هو؟ فانطلقوا به إلى واد لا نهاية لطوله وعرضه، يتقد من ألوان الدر والياقوت والكهرمان والأصفر والأزرق والزبرجد والبلخش والأحجار التي لم تر في الدنيا، والجواهر التي لا تقوم. ورأى شيئاً لا تحمله العقول ولا يوصف بعض بعضه، ولو اجتمع العالم على نقل بعضه لعجزوا. فقال: لا إله إلا الله، سبحان من له الملك العظيم ويخلق الله ما لا تعلمه الخلائق.
ثم انطلقوا به من شفير ذلك الوادي حتى أتوا به إلى مستوى واسع من الأرض لا تنهيه الأبصار، به أصناف الأشجار وأنواع الثمار وألوان الأزهار وأجناس الأطيار، وخرير الأنهار وأفياء وظلال ونسيم ذو اعتلال، ونزه ورياض وجنات وغياض. فلما رأى ذو القرنين ذلك سبح الله العظيم واستصغر أمر الوادي وما به من الجواهر عند ذلك المنظر البهيج الزاهر. فلما تعجب من ذلك قالوا له: أي ملك ملك في الدنيا بعض بعض ما ترى ؟ قال: لا وحق عالم السر والنجوى، فقالوا: كل هذا بين أيدينا ولا تميل أنفسنا إلى شيء من ذلك. وقنعنا بما نقوى به على عبادة الرب الخالق. ومن ترك لله شيئاً عوضه الله خيراً منه، فاتركنا ودعنا بحالنا أرشدنا الله وإياك. ثم ودعوه وفارقوه وقالوا له: دونك والوادي فاحمل منه ما تريد. فأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً.
وجزيرة الحكماء: وهي جزيرة عظيمة وصل إليها الإسكندر فرأى بها قوماً لباسهم ورق الشجر وبيوتهم كهوف في الصخر والحجر، فسألهم مسائل في الحكمة فأجابوه بأحسن جواب وألطف خطاب. فقال لهم: سلوا حوائجكم لتقضى. فقالوا له: نسألك الخلد في الدنيا، فقال: وأنى ذلك لنفسي ؟ ومن لا يقدر على زيادة نفس من أنفاسه كيف يبلغكم الخلد ؟ فقالوا له: نسألك صحة في أبداننا ما بقينا؛ قال: وهذا أيضاً لا أقدر عليه. قالوا: فعرفنا بقية أعمارنا. فقال الاسكندر: لا أعرف ذلك لنفسي فكيف بكم ؟ فقالوا له: فدعنا نطلب ذلك ممن يقدر على ذلك وأعظم من ذلك، وهو ربنا وربك ورب العالمين.
وجعل الناس ينظرون إلى كثرة جنود الاسكندر وعظمة موكبه وبينهم شيخ صعلوك لا يرفع رأسه فقال له الإسكندر: مالك لا تنظر إلى ما ينظر إليه الناس ؟ قال الشيخ: ما أعجبني الملك الذي رأيته قبلك حتى أنظر إليك وإلى ملكك. فقال الإسكندر: وما ذاك ؟ قال الشيخ: كان عندنا ملك وآخر صعلوك فماتا في يوم واحد، فغبت عنهما مدة ثم جئت إليها واجتهدت أن أعرف الملك من المسكين فلم أعرفه. قال: فتركهم الاسكندر وانصرف عنهم.