ومنها حيات عظام تخرج من البحر فتبتلع الفيل العالي الهائل، وتنطوي على شجرة عظيمة تجذبها أو على صخرة فتنكسر عظام الفيل في بطنها وتسمع قعقعة ذلك على بعد.
ومنها سمكة تسمى هبير، من رأسها إلى صدرها مثل الترس، ولها عيون كثيرة تنظر بها وباقي بدنها طويل مثل الحية في مقدار ثلاثين ذراعاً، ولها أرجل كثيرة، ومن صدرها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار كل سنة منها في طول شبر كالحديد في الصلابة أو الفولاذ في القطع، ولا تتصل بشيء من المراكب إلا شقته ولا تضرب شيئاً إلا قطعته نصفين ولا تنطوى على شيء إلا أهلكته وتسمى أيضاً القرش، وفي هذا البحر الدردور، وهو إذا وقعت فيه سفينة لا تنجو منه.
حكى بعض التجار قال: ركبنا في هذا البحر ومعنا جمع من التجار فهبت علينا ريح عاصفة صرفت المركب عن القصد، وكان رئيس المركب شيخاً أعمى إلا أنه حاذق بالرياسة، وكان معه في السفينة حبال كثيرة فكان رجاله يقولون له: لو كان موضع هذه الحبال ركاب لانتفعنا بأجرتهم، وكان يسأل التجار في كل وقت ماذا ترون فيقولون: ما نرى شيئاً. ولم يزل كذلك حتى قالوا له: نرى طيوراً سوداً على وجه الماء، فصاح الشيخ ولطم وجهه وقال: هلكنا والله لا محالة؛ فلما سألناه عن السبب قال: سترون ذلك عياناً. فما كان مقدار ساعتين حتى وقعنا في الدردور، وإذا بالذي كنا نراه كالطيور السود مراكب وبها أناس موتى؛ قال: فتحيرنا وانقطع رجاؤنا من الخلاص والحياة؛ فقال الشيخ: هل لكم أن تجعلوا لي نصف أموالكم وأنا أتحيل في خلاصكم إن شاء الله تعالى ؟ فقلنا: نعم قد رضينا ! قال: فأعطانا قنينتين قد ملئتا بالدهن فأدليناهما في البحر فاجتمع عليهما من السمك ما لا يعد ولا يحصى ثم أمرنا أن نطرح تلك الموتى الذين في المراكب إلى البحر بعد شدهم بالحبال التي كانت عنده في المراكب ففعلنا ورمينا بهم وأطراف الحبال مشدودة بمركبنا؛ فابتلع السمك الموتى ثم أمرنا بالصياح وضرب الطبول والصنوج والأخشاب ففعلنا ذلك فتفرقت الأسماك وأطراف الحبال في بطونها مشدود بها الموتى، وإذا بالمركب قد تحرك من مكانه وأقلع وجرى ولم يزل يجري حتى خرجنا من الدردور، فصاح الرئيس: اقطعوا الحبال عاجلاً فقطعناها ونجونا بقدرة الله من الهلاك، فقال الرئيس للجماعة: تلومونني على حمل هذه الحبال فانظروا كيف كانت سبباً لحياتكم وسلامتكم، فحمدنا الله تعالى وشكرنا الرئيس لنظره في العواقب.
ومنها بحر الهند: وهو أعظم البحار وأوسعها وأكثرها خيراً ومالاً، ولا علم لأحد بكيفية اتصاله بالبحر المحيط لعظمته وسعته وخروجه عن تحصيل الأفكار، وليس هو كالبحر الغربي، فإن اتصال البحر الغربي بالمحيط ظاهر. ويتشعب من هذا البحر الهندي خليجان أعظمهما بحر فارس ثم بحر القلزم، فالآخذ نحو الشمال بحر فارس والآخذ نحو الجنوب بحر الزنج. قال ابن الفقيه: بحر الهند مخالف لبحر فارس، وفي هذا جزائر كثيرة وقيل إنها تزيد على عشرين ألف جزيرة وفيها من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى فأما ما وصل إليه الناس فأقل قليل.
فمن جزائره جزيرة كله: وهي جزيرة عظيمة بها أشجار وأنهار وثمار، ويسكنها ملك بني جابة الهندي، وبها معادن القصدير وشجر الكافور وهو شبيه بالصفصاف وهي تظل مائة رجل وأكثر، وبها الخيزران، وفي عجائب هذه الجزيرة ما يقع واصفها في حد التكذيب.
جزيرة جابة: وهي كبيرة وبها الموز والنارجيل والأرز والقصب السكري الفائق، وبها العود، ويسكنها قوم شقر وجوههم، على صدورهم شعورهم، وأبدانهم كالناس. وبها جبل عظيم يرى عليه في الليل نار عظيمة ترى من خمسة عشر فرسخاً وبالنهار دخان، ولا يدنو أحد من ذلك الجبل على خمسة فراسخ إلا هلك.