فسار الإسكندر إلى المدينة وأمر بالثورين فسلخا وحشا جلودهما زفتاً وكبريتاً وزرنيخاً وكلساً ونفطاً وزئبقاً، وجعل مع ذلك كلاليب من حديد وأقامهما في المكان المعهود، فجاء التنين من الغد إليهما على العادة فابتلعها، فأضرمت النار في جوفه وتعلقت الكلاليب بأحشائه، وسرى الزئبق في جسده ورجع مضطرباً إلى مقره. فانتظروه من الغد فلم يأت ولم يخرج، فذهبوا إليه فإذا هو ميت وقد فتح فاه كأوسع قنطرة وأعلاها. ففرحوا وشكروا سعي الإسكندر إليهم وحملوا إليه هدايا عجيبة منها دابة عجيبة يقال لها المعراج مثل الأرنب، أصفر اللون وعلى رأسه قرن واحد أسود لم يرها شيء من السباع الضواري والوحوش الكاسرة إلا هرب منها.
جزيرة قلهات: وهي جزيرة كبيرة وبها خلق مثل خلق الإنسان، إلا أن وجوههم وجوه الدواب يغوصون في البحر فيخرجون ما يقدرون عليه من الدواب البحرية فيأكلونها.
جزيرة الأخوين الساحرين: أحدهما شرهام والآخر شبرام، وكانا بهذه الجزيرة يقطعان الطريق على التجار، فمسخا حجرين قائمين في البحر، وعمرت الجزيرة بعدهما.
جزيرة الطيور: ويقال إن فيها جنساً من الطيور في هيئة العقبان، حمر ذوات مخاليب تصيد دواب البحر. وبهذه الجزيرة ثمر يشبه التين، أكله ينفع من جميع السموم. حكى الجواليقي أن ملكاً من ملوك فرنجة أخبر بذلك فوجه إليها مركباً ليجلب له من ذلك الثمر ويصاد له من تلك الطيور، لأنه كان عالماً بمنافع تلك الطيور ودمها وأعضائها ومرائرها، فانكسرت المركب في البحر وهلكت السفينة ومن فيها ولم بعد إليه أحد.
جزيرة الصاصيل: طولها خمسة عشر يوماً في عرض عشرة. وكان بها ثلاث مدن مسكونه عامرة وكان التجار يسيرون إليها ويشترون منها الأغنام والأحجار الملونة المثمنة، فوقع الشر بين أهلها حتى فني غالبهم وبقي منهم قليل، فانتقلوا إلى بلاد الروم.
جزيرة لاقة: وهي جزيرة كبيرة وبها شجر العود كالحطب وليس له هناك قيمة ولا رائحة حتى يخرج من تلك الأرض فيكتسب الرائحة؛ وكانت عامرة مسكونة والآن قد خرجت فيها حيات كبار وتغلبت على أرضها فخربت بمثل ذلك.
جزيرة ثورية: بها أشجار وأنهار ولكنها خالية الديار، وبهذا البحر دواب عظيمة مختلفة الأشكال هائلة المنظر، يقال إن السمكة يمر رأسها كالجبل العظيم الشامخ ثم يمر ذنبها بعد مدة، ويقال إن مسافة ما بين رأسها وذنبها أربعة أشهر.
بحر الصين وجزائره وما به من العجائب والغرائب: ويسمى هذا البحر بأسماء عديدة: بحر الصين وبحر الهند صنجي، وهو متصل بالمحيط من المشرق: وليس على وجه الأرض بحر أكبر منه إلا المحيط، وهو كثير الموج عظيم الاضطراب بعيد القعر، فيه المد والجزر، كما في بحر فارس؛ ويستدل على هيجان هذا البحر بأن يطفو السمك على وجهه قبل هيجانه بيوم واحد، ويستدل على سكونه ببيض طائر معروف يبيض على وجه الماء في مجتمع القذى، وهو طائر لا يأوي الأرض أبداً ولا يعرف إلا لجة البحر، في هذا البحر مغاص اللؤلؤ يطلع منه الحب الجيد الذي لا قيمة له، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يعلمه إلا الله عدداً إلا أن بعضها مشهور يصل إليه الناس، قيل إن فيه اثني عشر ألف جزيرة عامرة مسكونة وبها عدة ملوك، وفي بعض جزائره ينبت الذهب ويكثر في بعض السنين ويقل في بعضها كالنبات.
فمن جزائره جزيرة زانج وتشمل جزائر كثيرة في آخر حدود الصين وأقصى بلاد الهند، عامرة خصبة ليس فيها خراب، يسافرون فيها بلا ماء ولا زاد لكثرة الخصب والعمارة، وهي نحو مائة فرسخ.
قال محمد بن زكريا: وملك هذه الجزيرة يسمى المهراج، وله جباية تقطع في كل يوم ثلاثمائة من من الذهب، في كل من ستمائة درهم فيتحصل له في كل يوم ما يزيد على مائة ألف مثقال وخمسة وعشرين ألف مثقال، يتخذ منها لبناً ويطرحه في البحر وهو خزانته.