قال أبو الريحان الخوارزمي: إن المحيط الذي في المغرب على ساحل الأندلس يسمى بالمظلم أيضاً، لا يلج إليه أحد أبداً، وإنما يمر بالقرب من ساحله. يخرج منه خليج يعرف بنيطش وطربزندة، ماراً في جهة الشمال وهو بحر القرم يمر على سور قسطنطينية، ويتضايق حتى يقع في بحر الشام ثم يمتد نحو الشمال وعلى محاذاة أرض الصقالبة، ويخرج منه خليج في شمال الصقالبة، فإذا وصل إلى قرب أرض المسلمين وبلادهم انحرف إلى نحو الشرق. وبين ساحله وبين أرض الترك أرض وجبال مجهولة وخراب غير مسكونة ولا مسلوكة. ثم يتشعب منه أعظم الخلجان وهو الخليج الفارسي المسمى في كل اقليم ومكان من المحيط باسم ذلك الإقليم والمكان للمحاذاة له، فيكون أولاً بحر الصين ثم بحر التبت ثم بحر الهند ثم بحر السند ثم بحر فارس، ثم يخرج من أصل هذا البحر المذكور خليجان عظيمان أحدهما بحر مكران وكرمان وخوزستان وعبادان، وهو الخليج الشرقي الشمالي، والآخر بحر الزنج والحبشة وسفالة الذهب والبربر والقلزم واليمن وبلاد السودان، حتى ينتهي إلى بلاد مصر، وهو الخليج الجنوبي الغربي. وفي هذا البحر أعني الخليج الشرقي بجملته من الجزائر العامرة والغامرة والمسكونة والمعطلة ما لا يعلم ذلك إلا الله عز وجل.
وسنذكر كل بحر على حدته، وما فيه من الجزائر والآثار والعجائب على الترتيب إن شاء الله تعالى.
أما البحر الأول: من هذا الخليج الشرقي فهو بحر الصين وبحر التبت وبحر الهند والسند، لأنه يمر أولاً بالصين ثم بالتبت ثم بالهند ثم بالسند ثم على جنوب اليمن، وهناك ينتهي إلى باب المندب طولاً فيكون مسافة طوله من مبدئه من المحيط في الشرق إلى باب المندب في الغرب أربعة آلاف فرسخ. يتشعب من هذا البحر الصيني الخليج الأخضر، وهو بحر فارس والأُبلة ومكران، إلى أن ينتهي إلى الأُبلة حيث عبادان، فهناك ينتهي آخره ثم يعطف راجعاً إلى جهة الجنوب فيمر ببلاد البحر واليمامة ويتصل بعمان وأرض الشجر واليمن، وهناك اتصاله بالبحر الهندي، وطول هذا البحر أربعمائة فرسخ وأربعون فرسخاً.
ويتشعب من هذا البحر الصيني أيضاً: خليج القلزم ومبدؤه من باب المندب المتقدم ذكره، حيث انتهى البحر الهندي آنفاً فيمر في جهة الشمال مغرباً قليلاً، فيتصل بغربي اليمن ويمر بتهامة والحجاز إلى مدين وأبلة وفاران. وينتهي إلى مدينة القلزم وإليها ينساب وينعطف راجعاً إلى جهة الجنوب فيمر في بلاد الصعيد إلى حوم الملك، إلى عيذاب، إلى جزيرة سواكن، إلى زيلع في البجعة إلى بلاد الحبشة ويصل بالبحر الهندي، وطول هذا البحر ألف وأربعمائة ميل والله أعلم.
البحر الثاني: الخليج الغربي الآخذ من المحيط الغربي المظلم وهو بحر الغرب والشام والروم ومبدؤه من الإقليم الرابع، ويسمى هناك البحر الزقاق لأن سعته هناك ثمانية عشر ميلاً كالزقاق، وكذلك طول الزقاق أيضاً من طريف إلى الجزيرة الخضراء ثمانية عشر ميلاً فيمر مشرقاً في جهة بلاد البربر وبشمال المغرب الأقصى، إلى أن يمر بالمغرب الأوسط ويصل أرض أفريقية إلى وادي الرمل إلى أرض برقة وأرض لوقيا ومراقيا والإسكندرية، إلى شمال أرض التيه، إلى فلسطين إلى سائر ساحل بلاد الشام، إلى أن ينتهي طرفه إلى السويدية، وهناك نهايته ثم ينحرف مغرباً راجعاً إلى جهة المغرب فيتصل بالخليج القسطنطيني، إلى جزيرة بليونس وكمشيلي، إلى أدرنة، وهناك يخرج إلى الخليج البندقي ويتصل إلى أرض مجاز صقلية إلى بلاد رومية إلى بلاد ستومة وأرمونة، ويجتاز بجبال اليونان فيمر شرقي الأندلس، من جهة جنوبها، من حيث ابتدأ، وطول هذا البحر ألف ومائة وستة وستون فرسخاً. ويخرج من هذا البحر الشمالي خليجان: أحدهما خليج البنادقة: ومبدؤه من شرقي بلاد تلودية من بلاد الروم عند مدينة أدرنة، فيمر في جهة الشمال عن تغريب يسير إلى ساحل شنت، ثم يأخذ في جهة المغرب إلى أن يمر بساحل البنادقة وينتهي إلى بلاد أزكالية، ومن هناك ينعطف راجعاً مع الشرقي على بلاد جرواسية والماسية إلى أن يتصل بالبحر الشامي من حيث ابتدأ نيطش، وطول هذا البحر ألف ومائة ميل.