وغربي أرض الروس جزيرة دار موشة؛ وفي هذه الجزيرة أشجار أزلية كثيرة منها أشجار إذا دار حول ساقها عشرون رجلاً ومدوا باعاتهم على ساق الشجرة الواحدة فلا يحرشوا بها. وأهلها يوقدون النار في بيوتهم نهاراً لبعد الشمس عنهم وقلة الضوء. وبهذه الجزيرة قوم مستوحشون يعرفون بالبراري رؤوسهم لاصقة بأكتافهم ولا أعناق لهم، ودأبهم ينحتون الأشجار الكبار، ويتخذون أجوافها بيوتاً يأوون إليها، وأكلهم البلوط. وبها من الحيوان المسمى بالببر شيء كثير، وهو حيوان غريب الوصف ولا يوجد ولا يعيش إلا في تلك الأمكنة.
والروس ثلاث طوائف طائفة تسمى كركيان ومدينتهم تسمى كركانية؛ وطائفة تسمى أطلاوة ومدينتهم تسمى طلو؛ وطائفة تسمى أرتى ومدينتهم تسمى أرتى.
أرض التركش: وهي طويلة عريضة متاخمة لسد يأجوج ومأجوج، ويجلب من جهتها السنجاب الفاخر، والسمور والحرير والمسك وجلود النمر.
أرض الخزر: وهي أرض واسعة وبها أمم لا تحصى؛ ومن مدنها المشهورة سمندو وهي مدينة حسنة؛ وكانت في القديم مدينة عظيمة وكان بها من الكروم ما يخرج عن حد الوصف، فخربتها الروس. وآخر أعمالها أول أعمال صاحب السرير، وهي مدينة عظيمة وتسمى صاحب السرير؛ لأن صاحبها اتخذ سريراً من ذهب مرصعاً بالجواهر يقصر عنه الوصف صنع له في عشر سنين؛ فلما تغلبت الروم على بلده بقي السرير على حاله، وقيل إنه باق إلى الآن.
أثل: وهي مدينة كبيرة عامرة، وأكثر بيوتها خركاوات ولبود، وهي ثلاث قطع يقسمها نهر عظيم يرد من أعالي البلاد التركية ويسمى نهر أثل يتشعب من هذا النهر ثم يمر نحو بلاد التغزغز، ويصب في بحر نيطش وهو بحر الروس، ويتشعب من هذا النهر نيف وسبعون نهراً، وليس من الملوك التي في تلك النواحي من عنده جند مرتزقة غير ملك الخزر.
برطاس: أرض طويلة مقدار خمسة عشر يوماً وهم متاخمون الخزر وبيوتهم خركاوات ولبود. ونهر برطاس يأتي من نحو بلاد التغزغز، وعليه مدن كثيرة وبلاد عامرة. ومن بلاد برطاس تحمل جلود الثعالب السود التي تسمى البرطاسي. قال المسعودي؛ تبلغ الفروة السوداء منها إلى مائة دينار. وفي أرض الخزر جبل يسمى باثرة وهو معترض من الجنوب إلى الشمال وفيه معادن الفضة السهلة المأخذ ومعادن الرصاص. وليس على بحر الخزر من الضفة الشرقية عمارة.
أرض البلغار: وهي واسعة ينتهي قصر النهار فيها عند البلغار والروس في الشتاء إلى ثلاث ساعات ونصف ساعة. قال الجواليقي: ولقد شهدت ذلك عندهم فكان طول النهار مقدار ما أصلي أربع صلوات، كل صلاة في عقيب الأخرى مع الأذان وركعات قلائل والإقامة والتسبيح. وعماراتها متصلة بعمارة الروم وهم أمم عظيمة ومدينتهم تسمى بلغار وهي مدينة عظيمة يخرج واصفها إلى حد التكذيب.
أرض الغزية: وهي غربي أرض الأدكش، وهي أرض واسعة متصلة العمائر من جهة الشمال والغرب والشرق ولهم جبال منيعة وعليها حصون حصينة، وينزل إليهم نهر من جبل مرغان، يوجد في هذا النهر إذا زاد التبر الكثير ويخرج من قعره حجر اللازورد، وفي غياضه التبر الكثير. وبها ثعالب صفر لونها لون الذهب يتخذ منها فراء لملوك تلك الناحية، تبلغ الفروة منها جملة من المال، ولا يدعون أحداً يخرج بشيء منها إلى البلاد، ومن خرج بشيء من ذلك خفية استباحوا دمه وماله، كل ذلك بخلاً بها واستحساناً وافتخاراً بها.
أرض الأدكش: وأهلها صنف من الترك عراض الوجوه كبار الرؤوس صغار العيون كثيرو الشعور، وأرضهم عريضة طويلة واسعة كثيرة الخيرات والخصب، وهي شرقي الغزية، وبها من المواشي واللبن والعسل شيء لا يوصف، حتى إن الرجل يذبح الشاة ولا يجد من يأكلها، وأكثر أكلهم لحوم الخيل وشربهم ألبانها.
وجنوبها بحيرة تهامة وهي بحيرة عظيمة دورها مائتان وخمسون ميلاً وماؤها شديد الخضرة إلا أن ريحه ذكي وطعمه عذب جداً. وبها سمك عريض جداً إذا وقعت هذه السمكة في شبكة الصياد انتشر في الحال ذكره وقام على حيله وأنعظ إنعاظاً شديداً، ولا يزال كذلك حتى يخرج السمكة من شبكته، ولونها مرقش فيه من كل لون عجيب حسن. وتزعم الأتراك أن الشيخ الهرم إذا أكل من لحم هذه السمكة أمكنه أن يفتض الأبكار لقوة خاصية هذه السمكة.