وبلغار مدينة صغيرة ليس لها أعمال كثيرة وكانت مشهورة لأنها كانت ميناء وفرضة لهذه الممالك فاكتسحتها الروس وأتل وسمندر في سنة ثمان وخمسين وثلثمائة فأضعفتها. والروس قوم بناحية بلغار فيما بينها وبين الصقالبة، وقد انقطعت طائفة من الترك عن بلادهم فصاروا ما بين الخزر والروم، ويقال لهم اليخياكية. وليس موضعهم بدار لهم على قدم الأيام.
وأما الخزر فإنهم جنس من الترك على هذا البحر المعروف بهم. وأما أتل فهم طائفة أخرى قديمة وسموا باسم نهرهم أتل الذي يصب في هذا البحر، وبلدهم أيضاً تسمى أتل وليس لهذا البلد سعة رزق ولا خفض عيش ولا اتساع مملكة، وهو بلد بين الخزر واليخياكية والسرير.
وأما التبت: فإنه بين أرض الصين والهند وأرض التغرغر الخزلجية وبحر فارس، وبعض بلاده في مملكة الهند وبعضها في مملكة الصين ولهم ملك قائم بنفسه يقال إن أصله من التبابعة ملوك اليمن. والله أعلم.
وأما جنوبي الأرض من بلاد السودان التي في أقصى المغرب على البحر المحيط فبلاد منقطعة ليس بينها وبين شيء من الممالك اتصال، غير أن حداً لها ينتهي إلى المحيط، وحداً لها ينتهي إلى برية بينها وبين أرض المغرب، وحداً لها إلى برية بينها وبين بلاد مصر على الواحات، وحداً لها إلى البرية التي ذكرنا أن لا نبات بها ولا حيوان ولا عمارة لشدة الحر، وقيل إن طول أرضهم سبعمائة فرسخ في مثلها غير أنها من البحر إلى ظهر الواحات وهو طولها وهو أطول من عرضها.
وأما أرض النوبة: فإن حداً لها ينتهي إلى بلاد مصر، وحداً لها إلى هذه البرية المهلكة التي ذكرناها، وحداً لها ينتهي بين بلاد السودان وبلاد مصر المتقدم ذكرها أيضاً، وحداً لها إلى أرض البجة. وأما أرض البجة فإن ديارهم صغيرة وهم فيها بين الحبشة والنوبة وهذه البرية التي لا تسلك.
وأما الحبشة فإنها على بحر القلزم وهو بحر فارس فينتهي حد لها إلى بلاد الزنج، وحد لها إلى البرية التي بين النوبة وبحر القلزم، وحد لها إلى البجة، والبرية لا تسلك. وأما أرض الزنج فإنها أطول أراضي بلاد السودان ولا تتصل بمملكة من الممالك أصلاً غير بلاد الحبشة وهي في مجاورة اليمن وفارس وكرمان في الجنوب إلى أن تحاذي أرض الهند.
وأما أرض الهند: فإن طولها من عمل مكران في أرض المنورة والبدهة وسائر بلاد السند إلى أن ينتهي إلى قنوج، ثم تحوزه إلى أرض التبت، نحو من أربعة أشهر، وعرضها من بحر فارس على أرض قنوج نحو من ثلاثة أشهر.
وأما مملكة الإسلام: فإن طولها من حد فرغانة حتى تقطع خراسان والجبال والعراق وديار العرب إلى سواحل اليمن فهو نحو خمسة أشهر، وعرضها من بلاد الروم حتى تقطع الشام والجزيرة والعراق وفارس وكرمان إلى أرض المنصورة على شاطئ بحر فارس نحو أربعة أشهر. وإنما تركت في ذكر طول مملكة الإسلام حد المغرب إلى الأندلس لأنه مثل الكم في الثوب، وليس في شرقي المغرب ولا في غربيه إسلام، لأنك إذا جاوزت شرقي أرض المغرب كان جنوبي المغرب بلاد السودان وشماله بحر الروم ثم أرض الروم. ولو صلح أن يجعل من أرض فرغانة إلى أرض المغرب والأندلس طول الإسلام لكان مسيرة مائتي مرحلة وزيادة، لأن من أقصى المغرب إلى مصر نحو تسعين مرحلة، ومن مصر إلى العراق نحو ثلاثين مرحلة، ومن العراق إلى بلخ نحو ستين مرحلة، ومن بلخ إلى فرغانة نحو عشرين مرحلة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
فصل في
صفة الأرض وتقسيمها
من غير الوجه الذي تقدم ذكره
قال الله عز وجل: " ألم نَجعلِ الأَرْضَ مِهاداً والجِبالَ أوْتاداً " وقال عز من قائل: " الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء " . وقال سبحانه وتعالى: " والله جعل لكم الأرض بساطاً " قال قوم من المفسرين: معنى المهاد والبساط: القرار عليها والتمكن منها والتصرف فيها.